د. إبراهيم بن سالم السيابي
كان لوداع رمضان في الذاكرة طعمٌ مختلف، لم يكن مجرد انتقالٍ من شهرٍ إلى شهر، بل لحظةً مهيبة تختلط فيها مشاعر الحنين بالرجاء. في تلك الليالي الأخيرة، كان الناس يجتمعون في مسجدٍ أو مجلس، فيقف أحد القرّاء ليتلو كلمات وداع رمضان. لم تكن قصيدة، ولا نشيدًا، ولا دعاءً خالصًا، بل قراءةٌ مؤثرة تُقال بصوتٍ خاشع، ويردد الجالسون بعض عباراتها معه: الوداع الوداع يا رمضان… شهر الصوم والغفران.
كانت تلك الكلمات البسيطة قادرة على أن تهز القلوب، وكأن الجميع يشعر أن ضيفًا عزيزًا يتهيأ للرحيل، وأن الأيام التي مضت سريعًا ربما لا تعود بالطريقة نفسها. لم تكن تلك القراءة مجرد كلمات، بل لحظة صادقة يستحضر فيها الناس ما عاشوه في الشهر من صلاةٍ وصيام وقيام.
وفي السياق نفسه، كان دعاء ختمة القرآن يمثل مشهدًا آخر من مشاهد تلك الليالي. ففي بعض البيوت، خاصة حين تُقرأ الختمة على روح أحد الراحلين، يجتمع الأهل والأقارب، وتُرفع الأكف بالدعاء، فيختلط الدعاء بالدموع والذكريات، ويشعر الحاضرون بأن صلة الرحمة تمتد بين الأحياء ومن سبقهم إلى رحمة الله.
ورغم أن الزمن تغيّر، وتبدلت بعض تفاصيل الحياة، إلا أن روح رمضان ما زالت حاضرة بقوة في المجتمع. فما إن يدخل الشهر حتى تتغير ملامح الأيام والليالي؛ تمتلئ المساجد والجوامع بالمصلين، وتمتد صفوف التراويح والقيام، ويقبل الناس على القرآن والدعاء والصدقات. وكأن هذا الشهر يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، ويمنح القلوب فرصة نادرة للصفاء والسكينة.
وفي رمضان تتجلى كذلك صور جميلة من التكافل الاجتماعي؛ حيث يتبادل الجيران أنواع الطعام، وتمتد موائد الإفطار تمتد في البيوت والمساجد، ويتسابق الناس إلى فعل الخير، ومساعدة المحتاج، وإحياء صلة الرحم. وتخف حدة الخلافات، ويعلو صوت التسامح، وكأن المجتمع كله يعيش حالة من التوازن الروحي الذي يذكر الناس بقيم الرحمة والعطاء.
والأجمل من ذلك أن هذه الأجواء لا تصنعها جهة واحدة، بل يصنعها الناس أنفسهم؛ حين يختارون أن يكون رمضان شهرًا للعبادة، وشهرًا للتقارب، وشهرًا يراجع فيه الإنسان نفسه قبل أن ينشغل بالدنيا من جديد.
ومع ذلك، لم يكن العالم من حولنا هادئًا تمامًا في هذا الشهر الفضيل. فالحرب الدائرة في المنطقة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، دخلت أيامها المتتابعة، ويتسمر الناس أمام الشاشات وتناقلت الأخبار مشاهد الصواريخ وضربات القواعد وإغلاق مضيق هرمز، وظل التوتر يخيّم على المنطقة.
لكن رمضان، بطبيعته، يذكرنا دائمًا بأن الأمل أكبر من الخوف، وأن قيم الرحمة التي يحملها هذا الشهر قادرة على أن تظل حاضرة حتى في أكثر اللحظات صعوبة. فالشعوب التي تعرف معنى الصيام والصبر تعرف أيضًا معنى السلام، وتدرك أن الحروب مهما اشتدت لا يمكن أن تكون قدرًا دائمًا.
ورغم كل ما يحيط بنا من أحداث مؤلمة، يبقى القلب متجهًا إلى إخوتنا في غزة، الذين يعيشون رمضان بصبرٍ ووفاء رغم أن كثيرًا منهم لا يزال بلا مأوى، ومع ذلك يحافظون على صيامهم وصلواتهم، ويستقبلون أيام الشهر الفضيل بقلوب صامدة لا تعرف الانكسار.
وفي خضم هذه التوترات، يبرز صوت هذا البلد العزيز بقيادته الرشيدة، الذي يعكس الحكمة والاعتدال. صوت الحياد، والدعوة الدائمة إلى التهدئة والعودة إلى طاولة المفاوضات، احترام سيادة الدول، والالتزام بالقوانين الدولية، ورفض أي اعتداء على دولة مستقلة، خاصة حين تكون الخلافات قابلة للحل بالحوار والدبلوماسية. فالحوار هو الطريق الأقرب إلى مستقبل أكثر استقرارًا، وهو الطريق الذي ينسجم مع القيم التي يذكرنا بها رمضان كل عام؛ قيم الحكمة والصبر وتغليب العقل على الانفعال.
وها هو رمضان يتهيأ للرحيل، كما كان يفعل كل عام، تاركًا في القلوب شعورًا بالحنين والحزن على فراقه. نودعه كما كان الناس يرددون قديمًا: الوداع الوداع يا رمضان… شهر الصوم والغفران.
ورغم أن القلوب ممتلئة بالحب والذكريات، يبقى السؤال الصامت يطوف في الأذهان: هل سنلتقي برمضان القادم؟ هل ستتاح لنا فرصة استعادة أيام الطمأنينة والسكينة التي منحنا إياها هذا الشهر الفضيل؟
إنَّ وداع رمضان ليس مجرد لحظة فراغ؛ بل اختبار للقلوب، تذكرنا بأن كل نعمة مؤقتة، وأن العمر لا يُسلم لأحد ضمانًا. ومع ذلك، تبقى الروح متشبثة بالقيم التي زرعها الشهر؛ صلاة، صبر، رحمة، تكافل… لترافقنا إلى أن يكتب الله لنا لقاءً جديدًا.
ويبقى العيد، رغم كل ما يقال، فرحةً صغيرةً وسط الحنين، فرحة الأطفال، ولمّة العائلات، وتبادل التهاني، وبداية أيام جديدة نحمل فيها ما تعلمناه من رمضان.
الوداع الوداع يا رمضان… على أمل اللقاء في رمضان قادم، بقلوبٍ أكثر خشوعًا، وأيامٍ أكثر سلامًا لهذه الأمة.
