هذه الحرب.. لمصلحة من؟

 

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

في الشرق الأوسط، عندما تندلع حرب، تنشغل الشاشات بحركة الصواريخ ومسارات الطائرات وأخبار الضربات المتبادلة. لكن خلف هذا المشهد العسكري الصاخب يبقى سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح: من المُستفيد من هذه الحرب؟ فالحروب في عصرنا لم تعد مجرد مواجهات بين جيوش؛ بل أصبحت شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

اليوم، ومع اتساع المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبدو أنَّ المنطقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة، حيث لم تعد التهديدات مجرد احتمالات سياسية، بل واقعًا يفرض نفسه على الأرض ويعيد رسم ملامح الاستقرار في المنطقة.

فهل يمكن أن يكون أحد أهداف هذه الحرب اقتصاديًا في المقام الأول؟ وهل هناك من يسعى إلى إرباك الاقتصاد العالمي والتحكم بمفاصله؟ فالشرق الأوسط ليس مُجرد مساحة جغرافية للصراع، بل هو قلب الطاقة العالمي. ومع تعطل إنتاج النفط والغاز في بعض المناطق، وتوقف الملاحة في مضيق هرمز- أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم- تبدأ آثار الحرب بالوصول سريعًا إلى الاقتصاد الدولي. فكل اضطراب في هذا الممر الحيوي يعني ارتفاعًا في أسعار الطاقة، واضطرابًا في الأسواق، وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. كما أن توقف بعض المطارات وتعطل حركة الطيران في دول مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وقطر يعكس حجم الهشاشة التي قد تُصيب اقتصادات المنطقة عندما تتحول الجغرافيا إلى ساحة مواجهة. فهل نحن أمام حرب لا تُعيد فقط رسم التوازنات العسكرية، بل تعيد كذلك رسم موازين الاقتصاد العالمي؟

أم أنَّ جوهر الصراع يرتبط بملف آخر ظل لسنوات محورًا للتوتر، وهو الملف النووي الإيراني؟ فهل ترى بعض القوى أنَّ امتلاك إيران لقدرات نووية أو تكنولوجية متقدمة يشكل تهديدًا لا يمكن القبول به؟ وهل يمكن أن تكون هذه الحرب محاولة لإيقاف هذا المشروع أو إعادة رسم حدود القوة العسكرية في المنطقة؟ وفي المقابل، هل تنظر طهران إلى هذه الضغوط باعتبارها محاولة لحرمانها من حقها في امتلاك عناصر القوة والتقدم العلمي مثل غيرها من الدول؟

وهل ينظر بعض الفاعلين الدوليين إلى إيران على أنها ليست مجرد دولة في المنطقة، بل مشروع سياسي وعسكري يسعى إلى لعب دور إقليمي واسع؟ وهل يصبح الصراع معها، في نظر هذه القوى، جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط؟

ثم يبرز سؤال آخر لا يقل حساسية: هل الصراع في جوهره صراع مصالح فقط، أم أن هناك بعدًا عقائديًا أو حضاريًا يقف خلفه؟ فهل يمكن للنظام الدولي أن يقبل بسهولة بظهور قوة اقتصادية أو صناعية أو عسكرية كبيرة في العالم الإسلامي؟ أم أن ما يجري في حقيقته صراع نفوذ تتحكم فيه حسابات القوة والمال والمصالح، بينما تُطرح المسائل العقائدية أحيانًا لتفسير ما يحدث أو لتبريره؟

ومن زاوية أخرى، يبرز الدور الإسرائيلي في هذا المشهد، فهي من بدأت الحرب في المرتين وهي من تصر على استمرارها. فهل تنظر إسرائيل إلى محيطها الإقليمي من زاوية تضمن بقاء تفوقها العسكري والتكنولوجي دون منافس؟ وهل يمكن أن يكون إضعاف أي قوة إقليمية قادرة على موازنة هذا التفوق جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع؟ وهل يدخل ذلك في إطار ما يُطرح أحيانًا في النقاشات السياسية حول فكرة إسرائيل الكبرى، أو على الأقل فكرة بيئة إقليمية لا توجد فيها قوة قادرة على تحدي التفوق الإسرائيلي؟

وهناك طرح آخر يتكرر في بعض الخطابات السياسية، وهو أن تغيير النظام في إيران قد يكون أحد أهداف هذه المواجهة. فهل تعتقد بعض القوى أن الضغط العسكري قد يؤدي في النهاية إلى تغيير النظام استجابة لما يوصف بأنه رغبة داخلية لدى الشعب الإيراني؟ أم أنَّ مثل هذه الطروحات تبقى جزءًا من أدوات الضغط السياسي أكثر من كونها هدفًا واقعيًا يمكن تحقيقه عبر الحرب؟

لكن في خضم هذه الأسئلة يبرز سؤال أخلاقي وقانوني لا يمكن تجاهله: من يملك الحق في شن حرب على دولة مستقلة؟ فمهما اختلفت الآراء حول سياسات إيران أو حول تدخلاتها الإقليمية أو برنامجها النووي، يبقى مبدأ السيادة أحد الأسس التي قام عليها النظام الدولي. فهل ما نشهده اليوم يعكس احترامًا للقانون الدولي، أم أننا أمام مرحلة يتم فيها تجاوز هذا القانون والتلاعب به وفق موازين القوة؟

كما أن هذه الحرب كشفت حقيقة أخرى تتعلق بالأمن الإقليمي. فقد اعتقدت كثير من دول الخليج أن وجود قواعد عسكرية للقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، يمثل مظلة ردع تضمن حماية المنطقة من الانزلاق إلى صراع واسع. لكن مع اتساع الضربات لتطال هذه القواعد نفسها وتحولها إلى أهداف في الصراع، يبرز سؤال جديد: هل أصبحت هذه القواعد عامل حماية فعلي، أم أنها تحولت في أوقات الأزمات إلى جزء من ساحة المواجهة؟

وهناك من يذهب إلى تفسير مختلف تمامًا، وإن كان أقل إقناعًا لدى كثير من المراقبين: هل يمكن أن تكون بعض الحروب في العالم أحيانًا وسيلة للهروب من أزمات داخلية أو فضائح سياسية تواجه بعض القيادات؟ أم أن مثل هذه التفسيرات تبقى مجرد تأويلات يصعب أن تفسر صراعًا إقليميًا بهذا الحجم والتعقيد؟

وربما كان السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح اليوم: لماذا تتكرر الحروب في هذه المنطقة تحديدًا كلما بدأت تلتقط أنفاسها اقتصاديًا أو سياسيًا؟

وسط كل هذه الأسئلة المتشابكة يبقى الشرق الأوسط مرة أخرى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، بينما تتحمل شعوبه التكلفة الأكبر من الدماء والدمار والاضطراب الاقتصادي. فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من حروب المنطقة لم تكن حروبًا محلية خالصة، بل كانت في جوهرها صراعات نفوذ تتجاوز حدودها الجغرافية.

وفي خضم هذه التطورات تبدو دول الخليج أمام لحظة مراجعة حقيقية. فالأحداث الأخيرة أظهرت أن الاعتماد الكامل على التحالفات الخارجية قد لا يكون كافيًا لضمان الاستقرار، وأن المنطقة قد تحتاج إلى قدر أكبر من التنسيق بين دولها وإلى رؤية أكثر وضوحًا لمصالحها المشتركة.

كما أن قوة الدول لا تُبنى فقط بالتحالفات العسكرية، بل تبدأ من الداخل: من قوة الاقتصاد، واستقرار المجتمع، والثقة بين الدولة وشعبها، والقدرة على بناء نموذج تنموي متماسك يحمي المصالح الوطنية في أوقات الأزمات.

وفي الختام.. قد تختلف التحليلات وتتعدد الروايات، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام الجميع بصدق وهدوء هو: هذه الحرب… لمصلحة من حقًا؟

الأكثر قراءة

z