علي بن سالم كفيتان
لطالما شغلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيزًا سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا لا يمكن تجاهله في منطقة الشرق الأوسط منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979؛ فقد استطاعت إيران خلال العقود الماضية أن تبني شبكة واسعة من النفوذ السياسي والعسكري والأيديولوجي امتدت من الخليج العربي إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
هذا النفوذ لم يكن قائمًا فقط على القوة العسكرية أو التحالفات السياسية؛ بل أيضًا على خطاب فكري وديني منح طهران قدرة على التأثير في مجتمعات عديدة في المنطقة. ومع التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة اليوم، والحديث عن استهداف قيادات إيرانية بارزة وإضعاف البنية القيادية والفكرية للنظام، يبرز سؤال كبير: من يملأ فراغ إيران إذا تراجعت أو تفككت؟
إن تفكك إيران- إن حدث- لن يكون حدثًا عاديًا في الشرق الأوسط؛ بل زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل خريطة التوازنات في المنطقة؛ فإيران ليست مجرد دولة، بل مركز ثقل حضاري وسكاني واقتصادي يمتد تأثيره عبر حدودها. وفي حال ضعف الدولة المركزية أو تفككت، يمكن تصور عدة سيناريوهات. أولها سيناريو الفوضى الداخلية؛ حيث قد تدخل البلاد في صراع بين القوميات المختلفة مثل الفرس والأذريين والأكراد والبلوش، ما قد يؤدي إلى ظهور كيانات سياسية جديدة. أما السيناريو الثاني فيتمثل في بروز نظام سياسي جديد أكثر انفتاحًا على الغرب، قد يحاول إعادة دمج إيران في النظام الدولي. بينما السيناريو الثالث يتمثل في استمرار الدولة، ولكن بنفوذ إقليمي أقل، ما يخلق فراغًا سياسيًا في مناطق كانت إيران حاضرة فيها بقوة.
لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن للعرب وإسرائيل- بدعم أمريكي- أن يُعوِّضوا الدور الإيراني في المنطقة؟ الإجابة أنه من الناحية العسكرية والسياسية، قد تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها إعادة رسم توازن القوى بما يخدم مصالحهم، خصوصًا في الخليج والعراق وشرق المتوسط. غير أن النفوذ الإيراني لم يكن قائمًا فقط على القوة، بل على شبكة اجتماعية وسياسية عميقة داخل عدد من الدول. ولذلك فإن محاولة استبدال هذا النفوذ بشكل سريع قد لا تكون ممكنة بسهولة، وقد تؤدي إلى ظهور قوى محلية جديدة أو حتى إلى صراعات داخلية في بعض الدول.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل الدور الصيني في هذه المعادلة؛ فالصين أصبحت خلال السنوات الأخيرة شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لإيران، خصوصًا في مجال الطاقة. وقد وقعت بكين وطهران اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد تضمن للصين الحصول على النفط الإيراني بأسعار تفضيلية مقابل استثمارات في البنية التحتية. لذلك فإن تغيير النظام في إيران قد يثير قلق الصين، ليس فقط بسبب خسارة مصدر مهم للطاقة؛ بل أيضًا بسبب احتمال توسع النفوذ الأمريكي في منطقة تعدها بكين حيوية لمبادرة "الحزام والطريق".
وقد تسعى الولايات المتحدة، في حال تغيّرت المعادلة في إيران، إلى التفاوض مع الصين لضمان عدم تحول الصراع إلى مواجهة اقتصادية أو سياسية أكبر، وربما تقديم ترتيبات معينة تضمن استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية مرتبطًا بمصير الشيعة في المنطقة، خصوصًا في الخليج والعراق ولبنان واليمن؛ فقد لعبت إيران دورًا محوريًا في دعم العديد من القوى السياسية والعسكرية المرتبطة بالبيئة الشيعية. وفي حال تراجع الدور الإيراني، قد تواجه هذه المجتمعات تحديات كبيرة تتعلق بإعادة تعريف موقعها السياسي داخل دولها. ففي العراق ولبنان مثلًا قد يحدث إعادة ترتيب للتوازنات السياسية، بينما في الخليج قد تتجه الحكومات إلى تعزيز سياسات الاندماج الوطني لتجنب أي فراغ سياسي. أما في اليمن، فقد يؤدي تراجع الدعم الإيراني إلى تغير في موازين القوى داخل الصراع القائم.
في النهاية، فإن السؤال عن من يملأ فراغ إيران ليس سؤالًا بسيطًا؛ فالتاريخ يعلمنا أن الفراغات الجيوسياسية نادرًا ما تبقى فارغة؛ بل تتحول إلى ساحات تنافس بين القوى الإقليمية والدولية. وإذا تراجع الدور الإيراني بالفعل، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ؛ حيث تتنافس قوى متعددة- عربية وإقليمية ودولية- على رسم ملامح الشرق الأوسط القادم.
