وادٍ عظيم المساحة تطجع الحجارة الجرانيتية على حوافّه

وادي الطائيين.. تحفة طبيعية تشق جبال الحجر الشرقي

...
...
...
...

 

9 عيون فوارة بالمياه في الوادي.. وأشجار السمر تستوطنه

تسمية الوادي تعود إلى فترة ما بعد انهيار سد مأرب عام 580 ميلادية

خطامة أبو بِشر من أعلام الطائيين وتُنسب له ولاية بوشر في محافظة مسقط

أفخاذٌ وبطونٌ كُثْرٌ تفرعت في بلاد عُمان من الجدّ القحطانيّ (طيّء)

 

 

الرؤية- ناصر أبوعون

يتوغل وادي الطائيين في مسيره وتعرجاته عبر سلسلة جبال الحجر الشرقي في الطريق المؤدية إلى ولايتي (بدبد)، و(صور)، وهو وادٍ كبير، وتصطف الحجارة على حوافّه، وحصباؤه من الصخور الرملية، وتستوطنه أشجار (السمر) وتطل التلال المنفتحة من فوق الجبال على ضفتيه وعند التقائه بـ(وادي ضيقة)؛ يصعب السير فيه.

هو وادٍ نحتته طبيعة الله في بطون سلاسل جبال الحجر الشرقيّ عبر  الطريق المفضية إلى ولايتي (بدبد)، و(صور) من محافظة الشرقية، وهو وادٍ عظيم المساحة؛ تطجع الحجارة الجرانيتية على حوافّه وكأنه بحر صحراويٌ عظيم، مرصوفة أرضه بحصباء متفتتة من الصخور الرملية، ونبتت في أعطافه أشجار (السُّمر)، وتُطل عليه التلال الصخرية المتراصة المتلألئة رؤوسها تحت نير شمس الظهيرة المتعامدة على جانبيه، وكأنها ملائكة تتشوّف الغادين والرائحين على طول الطريق المؤدية إليه، وترصد حركة الحياة النابتة على ضفتيه، وعند نقطة التقاء هذا الوادي العظيم بوادي (ضِيقة) يصعب السير فيه.

العيون المائية بوادي الطائيين

وفي وادي الطائيين تسع عيون فوّارة بالمياه، هي:(الزرقاء)، و(تماه)، و(المدبغة)، و(المر)، و(المسفاة)، و(السخنة)، و(عجماء)، و(العجف). ويتوسّط (وادي الطائيين) جبال الحجر الشرقيّ، فيحدّه من الغرب (بدبد والمضيبي)، وفي شماله (قريات)، وفي شرقه (بدية والقابل)، وفي جنوبه تقع ولاية (إبراء).

لماذا سُمّي بوادي الطائيين؟

ترجع تسمية "وادي الطائيين" إلى ما بعد انهيار سد مأرب وكان ذلك سنة 580 بعد الميلاد، وفق أكثر الآراء اتفاقَا، وكان السواد الأعظم من النازحين "بعد انهيار السدّ" هم "أولاد سعد بن نبهان بن عمر من طيّء"(1) ويذكر لنا المسعودي أنّ الطائيين من "العرب العاربة: وهم عرب الجنوب، وينسبون إلى قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفكشاد بن سام بن نوح"(2) ويؤكد المؤرخون أن القحطانيين من أقدم سكان الجزيرة العربية (3) الذين شقّوا طريقهم إلى عُمان وحطّوا قوافلهم في "ريسوت" غربِيّ "صلالة"، ثم واصلوا المسير باتجاه "قلهات"، وأجدُّوا الزحف باتجاه "سمائل"، ثم خرجوا من سمائل بحثّا عن الماء والكلأ وخيَّموا في وادٍ عظيمٍ ذي زرعٍ، بشرقيّة عُمان على مسافة 170 كيلو متر من (مسقط)، واستقرُّوا فيه، بشيوخهم وذريّاتهم وسُمي - فيما بعدُ- بـ"وادي الطائيين" نسبةً إليهم. واشتهر كلُّ من سكن وادي (الطائيين) بـ(الطيوانيّ)؛ نسبةً إلى المكان (وادي الطائيين) على عادة البعض في النسب إلى المكان بدلًا من النسب القبيلة كـقولهم في التأريخ لعلمائهم بـ(النزويّ)، و(العقريّ)، ولا توجد قبيلة عربيّة باسم (الطيوان) وإنما هم (طائيون) أحفاد (طيء القحطانيّ).

الطائيون في بوشر وسمائل

ومن أعلام "الطائيين"، الذين تمّ التأريخ لهم في العصر المتأخر رجل يُسمى "خطامة أبو بِشْر" وهو من"بني نصر"، وإليه نُسِبت ولاية "بوشر" وتسمَّتْ باسمه، ومن نسله نشأتْ قبيلة "بوشر السمائلية"، ومن أبناء عمومتهم "بنو عمر بن الصامت بن سعد" الجدّ الأكبر لقبائل: "الهادي" و"المشرفيّ" و"الرقاديّ"، وهم عينُهم الذين أشار إليهم الصَّحابيّ العُمانيّ "مازن بن غضوبة" فيما رُوي عنه من قصة إسلامه وما قرضه من شعر، مشيرا إليهم بقوله:[كسرت ناجزًا جذاذًا وكان لنا/ربًّا نطيف به عميا بطلالِ- بالهاشمي هدينا من ضلالته/ولم يكن دينه مني على بالِ - يا راكبًا بلغن عمرًا(4) وإخوته أني لمن قال: ربي ناجز قالِ].، وقد ورد ذكر اسم "خودة" أو"خولة بنت نصر بن ربيعة بن سعد بن نبهان"، في العديد من الوثائق؛ وهي امرأة "طائيّة" وإحدى عمّات جدّ الصحابيّ "مازن بن غضوبة" رضي الله عنه.

أنساب الطائيون في عُمان

وفي تأصيل نسب الطائيين في عُمان يقول الشيخ القاضي محمد بن شامس بن خنجر البطاشي، (ت، 1420 هجرية):"ولمن يسأل عن نسب (الطيوانيين)؟ نقول له: إنّهم أبناء (الشيخ القاضي صالح بن عامر بن سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن سليمان بن سعد بن عبد الله بن ماجد بن سليمان بن سعد بن أبي علي بن محمد بن مصلح البوشري (الطيوانيّ) الطائيّ جذورًا وأرومةً وظهْرًا وبطنًا).

وقد عثرنا على وثيقة في أرشيف الشيخ "حمد بن عيسى الطائي" بتوقيع المؤرخ والمحقق "سيف بن حمود البطاشيّ" في شهادةٍ لهُ خطَّها بيده أملاها عليه والدُه، جاء فيها: "وفي جزء من بيان الشرع منسوخ للشيخ النزيه الثقة "مسعود بن سعيد بن عبد الله بن عامر البراونيّ الحارثيّ"؛ يقول الناسخ: إنها مخطوطة على يد الشيخ النزيه الرضيّ "حمد بن سعيد بن عامر الطيوانيّ البطاشيّ". ومما نقرأه في الوثيقة"ولعلّ مبدأ هذه الأسرة كان بـ"وادي الطائيين" ببلدة "إحدى"، ثم خرجوا إلى "طيوي"، ومنها إلى "نزوى"، والمتبادر أن إقامتهم بـ"نزوى" مدة طويلة، ويبدو أنهم انحدروا منها إلى "بوشر" و"مسقط"، وكان منهم أيام السلاطين في مسقط قضاةٌ وكتّابٌ.. هذا ما عندي من المعلومات عنهم والله أعلم. حررته للشيخ حمد بن عيسى بن صالح بن عامر الطائيّ وكتبته عن إملاء الوالد ليلة 27 من صفر 1419 هـ الموافق 22/06/1998م".(5)

وقد تفرعت في بلاد عُمان من الجدّ القحطانيّ (طيّء)؛ أفخاذٌ وبطونٌ كُثْرٌ، وإنّ الجانب الشرقيّ من عُمان غلب على سكانه "الطائيون"(6)؛ فهم قد نزلوا إلى "حوزة مسقط" وعمروها، واستوطنوا في وادي "بوشر" شمالاً، نزولا إلى أودية "قلهات" و"صور" و"جعلان"، وأغلب قاطني هذه البلدان عشائر وبطون وأفخاذ تفرّعت من "طيّ"، وصنّفها صاحبُ كتاب "إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان"

وبالتواصل مع بعض المشتغلين بعلم الأنساب من العُمانيّين؛ التقينا الباحث يوسف أمبو علي، الذي قطع أيضا بالقول: إنّ من نسل "طيّ" خرجت قبائل: "الطائيّ (الطيوانيّ)، ‏والبطاشيّ، والغريبيّ، والحجيّ،‏ والحوسنيّ،‏ والحسنيّ وفرعٌ من الزيديّ خلافا للفرع القرشي،‏ والبهلانيّ والسرحنيّ أو السرحانيّ،‏ والشِّبليّ‏، و‏الشرجيّ‏ والشيدي،‏ والضامري،‏ و‏المجلبيّ‏، والمشرفيّ، والمعشريّ،‏ و‏الهاديّ،‏ والهدَّابي، وبنو عرابة والوهيبي، والعيسائيّ؛ وهذا الأخير يُقال إنه "أزديّ"‏ وسائرها قبائل كهلانيّة سبأيّة قحطانيّة، أي يمانيّة(7)

أمّا الباحث "سند بن حمد المحرزي" فقد خالف بعض ما قطع به يوسف أمبو علي في نسب بعض القبائل إلى "طيّ" فقال: إن قبيلة "الغريبي" ليسوا من "طيّ"، وكذلك قبيلة "الشيدي"؛ وقيل إنهم من "معولة بن شمس"، أمّا قبيلة "الضامري"؛ فقد قيل هم بطن من بطون "بني محارب"؛ وقيل من "طيّ"، وأمَّا قبيلة "الهدابيّ"، فقد قيل إنهم من "تميم"؛ وقيل من "طيّ"، وأمَّا قبيلة "العيسائيّ"؛ فقد قيل إنهم من نسل "الحدّان بن شمس الأزديّ"؛ وقيل من "طيّ"، وأمَّا قبيلة "البطاشيّ" ففيها قولان: الأول؛ قيل إنهم من "الأزد"؛ والمشهور أنهم ينتسبون إلى "طيّ"- وكان بينهم وبين الطائيين (الطيوانيين) حِلف سياسيّ؛ ولذلك ترِد الإشارة إليهم في العديد من الوثائق القديمة بعبارة "الطيوانيّ البطاشيّ"-، أمّا قبيلة "البهلانيّ"؛ فالمشهور أنهم من نسل "عبس بني رواحة"، وقيل إنهم من "طيّ"، وأمَّا قبيلة "الريسيّ" فهم من "طيّ"؛ وقيل من "تميم"، وأمّا قبيلة "الحسنيّ" فقيل إنهم من "طيّ"؛ وقيل من "الأزد"، أمّا أصل نسب قَبيلَتي "بنو لام" و"الغسينيّ"؛ فهما من "طيّ" قولا واحدًا لا لبس فيه. وقد سمعتُ "مشافهةً ورؤيةً" من من الباحث "يعقوب البروانيّ" أنّ قبيلة "المخمريّ" ينتسبون إلى "طيّ"(8)

المصادر والمراجع:

(1) عشائر الشام، أحمد وصفي زكريا، وهو الكتاب الأهم والمرجع الأساسي والأدق لدراسة جغرافية وسكان وعادات البدو في بادية الشام، وقد صدر الجزء الأول منه عام 1945عن دار الفكر في دمشق، ثم صدرت الطبعة الثانية في جزأين عام 1983م.

(2) مروج الذهب، المسعودي،  ج 1 ص 71

(3) مبروك نافع: عصر ما قبل الإسلام ص 41، علي إبراهيم حسن: التأريخ الاسلامي العام ص 25

(4) يعني عمرو بن الصلت وإخوته بني خطامة، وقد رُويَ خبر إسلامه في (الاستيعاب) و(عيون الأثر في المغازي والسير) و(الإصابة ) و(أسد الغابة)، و(عيون الأثر في المغازي والسير).

(5) وثيقة بخط الشيخ المؤرخ سيف بن حمود البطاشي يؤرخ فيها لسيرة الشيخين صالح بن عامر ومحمد بن عامر الطيوانيّ ونشأتهم في قرية (إحدى).

(6) إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، المؤلف: سالم بن حمود السيابي الإباضي، وشاركه التأليف: إبراهيم بن سعيد العَبرِي.

(7) مقابلة مع الباحث في الأنساب (يوسف أمبوعلي) بجريدة الرؤية في شهر سبتمبر 2022 بحضور أحمد بن عبد الله الكندي والشاعر سماء عيسى، والمكرم حاتم الطائيّ، ثم أعقبها اتصال هاتفي في شهر أكتوبر.

(8) مقابلة مع الباحث سند المحرزيّ 2023 داخل سيارته أثناء توجّهنا إلى ولاية بركاء لزيارة الشيخ سالم بن محمد العبري، وبحضرة الشاعر عبد الرزاق الربيعي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z