صوت الحكمة العُماني

 

 

 

مدرين المكتومية

 

في عالمٍ يموجُ بالصراعات والأزمات المُتشابكة، يتأكَّد لنا مرة بعد أخرى أنَّ الحروب لا تصنع منتصرًا حقيقيًا مهما بدت نتائجها على ميزان القوة والسيطرة. فالتاريخ، بكل ثقله، يخبرنا أن أي حرب تخلّف وراءها خسائر اقتصادية وإنسانية وأخلاقية تتجاوز حدود أطرافها المباشرة. لا أحد يخرج سالمًا؛ فالجميع يدفع الثمن؛ سواء كان طرفًا في المواجهة أو شعبًا متضررًا يفقد أمنه واستقراره وموارده.

الحرب بطبيعتها استنزاف طويل للطاقات، وتعميق للفجوات، وفتح لجروح تبقى زمناً طويلاً دون أن تلتئم. أسر تفقد أحبّتها، طلاب يُحرمون من مدارسهم، اقتصادات تتراجع بعد أن حققت نجاحات، وبنى تحتية تتعرض للدمار. كلها شواهد على أن القوة العسكرية لا تبني سلامًا دائمًا، وأن السلاح مهما كان لن يزرع الطمأنينة أو الثقة بين الشعوب. حتى من يظن أنه حقق مكاسب سياسية أو عسكرية يجد نفسه أمام تحديات جسيمة لإعادة بناء العلاقات ومعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية العميقة.

في هذا المشهد المعقد، يبرز صوت الحكمة العُماني بوصفه صوتًا متزنًا يدعو إلى التعقل والتريث، ويؤكد أن السلام هو الأساس الذي لا غنى عنه لأي استقرار أو نهضة. فقد عُرفت سلطنة عُمان عبر تاريخها بسياستها الخارجية المتوازنة، البعيدة عن الانحياز، والساعية دائمًا إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء. هذا النهج ليس وليد اللحظة؛ بل امتداد لرؤية راسخة تؤمن بأن الحوار والسلم هما السبيل الأقصر والأكثر استدامة لحل النزاعات.

اليوم، ومع تصاعد الأزمات، تتصدر سلطنة عُمان المشهد بجهودها الحثيثة لإخماد نار الحرب. فالاتصالات اليومية التي يجريها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ صباحًا ومساءً، تعكس إدراكًا عميقًا لحجم المسؤولية وإيمانًا راسخًا بأهمية الحراك الدبلوماسي المستمر في لحظات التوتر.

هذه الاتصالات ليست مجرد إجراءات بروتوكولية؛ بل جسور تواصل مفتوحة ورسائل تهدئة صادقة لتقريب المواقف وتغليب لغة العقل على لغة السلاح. وإلى جانب ذلك، يواصل معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية دوره المحوري عبر اتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف، في تحركات تؤكد أن سلطنة عُمان لا تكتفي بإعلان المواقف؛ بل تعمل عمليًا على تهيئة الأرضية المناسبة للحوار البناء وتخفيف حدة التوتر حيثما أمكن.

إنَّ الحاجة إلى التهدئة اليوم ليست خيارًا يمكن تأجيله؛ بل ضرورة إنسانية وأخلاقية ملحة. فكل يوم تستمر فيه الحروب يعني مزيدًا من الضحايا والخسائر والمعاناة، ويصعّب فرص الحل. لذلك، فإن الإصغاء إلى صوت الحكمة العُماني ضرورة، والوعي بأنَّ السلام ليس تنازلًا أو انهزامًا؛ بل استثمار في المستقبل، وأن الحوار ليس ضعفًا؛ بل شجاعة في مواجهة الغضب والانفعال.

السلام هو الأساس لكل شيء: شرط للاستقرار، لحفظ كرامة الإنسان، ولتحقيق التنمية. ومن دونه لا يمكن لأي مجتمع أن ينعم بالأمان الحقيقي، ولا لأي مشروع اقتصادي أن يزدهر. صوت عُمان يدعو إلى إخماد نار الحرب لإنقاذ الإنسان قبل أي اعتبار آخر، ولتغليب العقل قبل أن تتسع دائرة الألم والانكسار والانهيار.

وفي زمن تتعالى فيه أصوات التصعيد، يبقى صوت الحكمة العُماني حاجة ملحة، ليس للمنطقة فحسب؛ وإنما للعالم بأسره. وربما يكون الإصغاء إلى هذا الصوت هو الخطوة الأولى نحو سلام الجميع.

الأكثر قراءة

z