صالح بن سعيد الحمداني
في زخم العطاء وتعدد سبل الإسهام في خدمة المجتمع بمختلف جوانبه يظل الإبداع الذاتي هو السمة الأبرز التي تُميز الإنسان وتمنحه تفرده بين الآخرين، ومن واقع نعيشه بكل تفاصيله، ورغم تباين الآراء وتعدد الأفكار، يبقى الهدف واحدًا "خدمة المجتمع وتعزيز المجال الذي نعمل فيه ونخوض تجاربه بشغف ومسؤولية"، ومع ذلك تبرز أحيانًا أفكار دخيلة تسعى لاختصار الطريق نحو الغايات الشخصية، فتظهر مظاهر مثل اللهاث السريع خلف النجاح، أو محاولة الصعود على أكتاف الآخرين، أو إطلاق الأقاويل بحق من حققوا إنجازًا، وهي ممارسات لم تكن يومًا من صميم القيم الأصيلة للعمل المجتمعي.
قد يختلف معي القارئ الكريم في هذا الطرح، لكن ما أقدمه هنا هو وجهة نظر شخصية، قد يراها البعض مقبولة، وقد يعارضها آخرون، وفي النهاية تبقى مجرد رؤية تحتمل الاتفاق والاختلاف في حديث عن زمنٍ تتسارع فيه الخطوات وتتعالى فيه الأصوات التي تمجّد الإنجاز والمكانة والنجاح، حيث بات الإنسان محاطًا بثقافة تُغريه بالارتفاع السريع، لا بالصعود المتزن، ثقافة تلمّع الصورة قبل الجوهر وتحتفي بالوصول أكثر مما تحتفي بالطريق، وفي خضم هذا المشهد يبرز سؤال جوهري "كيف ننجح دون أن نفقد أنفسنا؟ كيف نحلّق عاليًا دون أن نحترق بنار الغرور؟"، لا خلاف على أن الطموح وقود الحياة وأن الأحلام الكبيرة هي ما يدفع الإنسان لتجاوز واقعه، وتحدي الظروف، وكسر القيود التي تفرضها عليه البيئة أو الخوف أو الفشل السابق، ومن حق كل إنسان أن يتألّق في دروب الحياة، وأن يسمو بأحلامه حتى تلامس الأعالي، وأن يطرق أبواب النجاح بثقة وشجاعة، بل إن المجتمعات لا تتقدم إلا بأصحاب الطموح، ولا تُبنى الأمم إلا بسواعد من يؤمنون بأنهم قادرون على التغيير.
لكن الخطورة لا تكمن في الطموح ذاته فهي تكمن فيما قد يتسلّل إلى الروح أثناء الرحلة ، كالغرور ذلك الشعور الخادع الذي يتخفّى في ثوب الثقة، ويقنع صاحبه بأنه بلغ الكمال، وأنه صار فوق النقد، وفوق الآخرين، الغرور ليس مجرد صفة سلوكية، إنما حالة نفسية تُعمي البصيرة، وتشوّه العلاقة مع الذات ومع الناس، وهو قناع يسرق من الإنسان جوهر تميّزه الحقيقي، ويحبسه في وهم ذاتٍ مصطنعة لا تشبه حقيقته، كثيرون سقطوا لا لأنهم فشلوا بل لأنهم نجحوا ثم استسلموا للغرور، التاريخ يذكر لنا والواقع مليء بقصص أشخاص لمع نجمهم سريعًا لكنهم فقدوا بريقهم بالسرعة ذاتها، حين ظنوا أنَّ الإنجاز يمنحهم حصانة دائمة، وأن النجاح يُغني عن التعلم، أو الاعتراف بالخطأ، أو الاستماع للآخرين، فالغرور يجعل صاحبه أسير صورةٍ مثالية عن نفسه، فيرفض المراجعة، ويعادي النقد، ويستصغر جهود من حوله، حتى يجد نفسه وحيدًا في قمةٍ خاوية.
في المُقابل يقف التواضع كقيمة إنسانية عميقة، لا تُنقص من القدر وإنما بكل تأكيد ترفعه، فالتواضع لا يمكن أن يكون ضعفًا، ولا إنكارًا للإنجاز إنما وعيٌ حقيقي بحجم الذات وحدودها، وإدراك بأن النجاح لا يتحقق فرديًا، وأن خلف كل إنجاز أيدٍ كثيرة، وظروف، وفرص، وبكل تأكيد توفيق إلهي، فالمتواضع لا يتصنّع التقليل من نفسه ولكنه يتعامل مع نجاحه بوصفه مسؤولية لا امتيازًا، العظمة الحقيقية كما تثبت التجارب، لا يمكن أن تولد من التعالي وإنما من صفاء القلب وصدق الأثر، الإنسان العظيم هو من يترك أثرًا طيبًا قبل أن يترك إنجازًا لامعًا، ومن يُلهم الآخرين دون أن يشعرهم بالصِغَر، ومن يقود دون أن يقمع، ويعلو دون أن يدوس، والتواضع هو التاج الخفي الذي لا يُرى بالعين، لكنه يُلمس في السلوك، ويُشعَر به في الحضور، ويُخلّد في الذاكرة.
في العمل كما في الحياة العامة نحتاج إلى قادة وناجحين يمتلكون هذه المعادلة الصعبة ثقة بلا غرور، وطموح بلا تعالٍ، فعلًا نحتاج إلى نماذج تُثبت أن القوة لا تتناقض مع الإنسانية، وأن النجاح لا يبرر القسوة، وأن التفوق الحقيقي هو ذاك الذي يضيف للآخرين، لا الذي يُقصيهم، إن التألّق في دروب الحياة حق مشروع، وهدف نبيل لكن الحفاظ على نقاء الروح أثناء هذا التألّق هو التحدي الأكبر، فكم من نجمٍ أضاء ثم انطفأ، وكم من شخصٍ صعد عاليًا لأنه حمل قلبًا متواضعًا، فبقي أثره حيًا حتى بعد غيابه، ولا يُقاس الإنسان بعلو مكانته فقط ولكن بعمق إنسانيته، ولا يُخلَّد بما حققه وحده وإنما بما تركه في قلوب من حوله.
فلتكن أحلامنا عالية وخطواتنا واثقة، ولنجعل التواضع رفيقنا الدائم، لأنه وحده القادر على حماية النجاح من التحول إلى عبء، وحماية التألّق من أن يصبح وهمًا، وختامًا هذا حواري ويبقى وجهة نظر شخصية.
