د. إبراهيم بن سالم السيابي
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون" (الأنفال: 27)
النداء هنا مباشر، وليس عامًا ولا عابرًا، هو خطاب لكل مؤمن، لكل من يحمل أمانته ويعلم قبل أن يُذكَّر، "لا تخونوا" نهيٌ صريح، لكنه يحمل في داخله سؤالًا أكبر: أين يمكن أن تبدأ الخيانة ونحن نعلم.
في رمضان هذا العام، ونحن نعيش لحظات الصفاء، لنتوقف قليلًا أمام هذا الخلق العظيم… الأمانة. نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عُرف بالأمين قبل البعثة، لأن الأمانة لم تكن شعار دعوة عنده، بل كانت حقيقة شخصية سبقت الرسالة نفسها. وكأن الله عز وجل أراد أن يقول لنا: لا يمكن لدين أن يُبنى بغير أمانة، ولا يمكن لأمة أن تقوم بغير صدق.
توقف لحظة، وانظر إلى نفسك. هل كنت صادقًا مع نفسك اليوم؟ هل تواجه ضعفك دون تبرير؟ هل وفيت بما وعدت نفسك به، ولو كان أمرًا بسيطًا؟
الخيانة لا تبدأ دائمًا بصوت عالٍ، أحيانًا تبدأ بصمت داخلي، حين تعلم الحق وتؤجله، أو ترى الخطأ وتسوّغه. أخطر ما في الخيانة أنك قد تمارسها وأنت تعلم. وهنا يأتي جوهر الآية: "وأنتم تعلمون". العلم موجود… لكن هل الإرادة حاضرة؟
أحيانًا لا نخون الأمانة بسرقة أو ظلم ظاهر؛ بل نخونها حين نصمت عن موقف كان يجب أن نتخذه. حين نؤجل كلمة صادقة لأننا لا نريد الإحراج. حين نعدل قناعاتنا قليلًا لنحافظ على قبول اجتماعي. حين نغيّر نبرتنا حسب المكان، لا حسب المبدأ. الخيانة ليست دائمًا ضجيجًا، قد تكون تنازلًا داخليًا صغيرًا يتكرر، حتى يصبح التراجع عن الحق أمرًا اعتياديًا لا يثير فينا قلقًا.
في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: ماذا فعلت؟ بل يصبح: ماذا كان ينبغي أن أفعل ولم أفعل؟ إذا صلحت أمانتك في نفسك، انعكس أثرها فورًا على بيتك. في البيت تُختبر الكلمة، ويُوزن الصدق، وتُكشف التناقضات.
هل وفيت بوعدك للأب؟ للأم؟ للإخوة؟ للزوج أو الزوجة؟ لكل فرد من أفراد أسرتك؟
الأبناء لا يتعلمون الأمانة من المواعظ بقدر ما يتعلمونها من المواقف. حين يرونك تحفظ وعدًا، وتلتزم بكلمة، وتعتذر إن أخطأت، فإنك تبني في داخلهم ميزانًا لن يختل بسهولة. البيت الصادق هو الذي يحمي المجتمع قبل أن تحميه القوانين.
ثم تخرج إلى المجتمع، وهناك تتسع مساحة الاختبار.
كل كلمة تقولها في العمل، أمانة وظيفة، التزام وقت، احترام نظام، حفظ حق… كلها تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها إن اختلت اهتزت الثقة بين الناس. المجتمع لا يسقط فجأة، بل يضعف حين تصبح الخيانة اعتيادًا، ويقوى حين تصبح الأمانة ثقافة.
ثم تكبر الدائرة لتصل إلى وطنك.
الوطن أمانة في عنق كل واحد منا. المرافق العامة، المال العام، المنصب، القرار، الكلمة… كلها مواضع اختبار يومي لصدقك مع وطنك.
ولنكن صريحين… الأوطان التي نهضت وتطورت من حولنا لم تصعد صدفة، ولم تتقدم لأنها تملك الموارد فقط، بل لأنها جعلت الأمانة في العمل ثقافة عامة، وجعلت الإخلاص للوطن سلوكًا مستقرًا لا شعارًا موسميًا.
حين يؤدي الموظف عمله بإتقان، ويحفظ المسؤول مسؤوليته، ويقدّم الفرد مصلحة وطنه على مصلحته الضيقة، هناك تبدأ النهضة الحقيقية.
التقدم لا يولد في الخطابات؛ بل ينمو في ضمير يحفظ ما استُؤمن عليه. ومن الوطن إلى الأمة، يتسع المعنى ليصبح مسؤولية قيم وهوية. الأمة ليست اسمًا نردده، بل قيماً نحملها وسلوكًا نجسده. إذا كنا أبناء أمة قامت على الصدق، والعدل، والوفاء، والرحمة، فلا يليق بنا أن نختزلها في شعارات ثم نناقضها في تصرفاتنا اليومية. الأمانة هنا ليست مجرد التزام وظيفي؛ بل صورة أخلاقية نقدمها عن أمتنا في كل مكان نكون فيه.
في تعاملاتنا، في وعودنا، في احترامنا للوقت، في حفظنا للحقوق، في طريقة اختلافنا قبل اتفاقنا. لا يكفي أن نفخر بتاريخ أمتنا، إن لم نكن نحن امتدادًا حيًا لذلك التاريخ.
ولا يكفي أن نطالب العالم باحترامنا، إن لم نقدم نموذجًا يُحترم.
الأمة تُقاس بأخلاق أبنائها قبل إنجازاتهم، وبثباتهم على القيم قبل ارتفاع أبنيتهم. وحين تكون الأمانة سلوكًا عامًا، تصبح الأمة قدوة لا مجرد أمة تتمنى أن تكون قدوة.
الأمانة إذن ليست خُلُقًا جانبيًا في حياة الإنسان، بل محور يربط الضمير بالسلوك، والفرد بالأسرة، والأسرة بالمجتمع، والمجتمع بالوطن، والوطن بالأمة.
وفي فضاء هذا الشهر المبارك، وفي لحظة صفاء مع النفس، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نخون أماناتنا ونحن نعلم؟ هل نخونها في أنفسنا حين نتجاهل الحق؟ في بيوتنا حين لا نكون كما نقول؟ في مجتمعنا حين نتهاون في حقوق الناس؟ في وظائفنا حين لا نتقن أعمالنا؟ في وطننا حين نتساهل في مسؤولياتنا؟ في قيم أمتنا حين نرفعها شعارًا ولا نعيشها سلوكًا؟
السؤال واضح، والإجابة يعرفها كل واحد منا في داخله.
