أنيسة الهوتية
"صباح الخير"، أقولها لنفسي في كل صباح أستيقظُ فيه، ثم أحمدُ الله وأشكره سبحانه أني لا زلت على قيد الحياة. ثم يباغتني ذلك الشعور بأنني جندية من جنود الله في معركة الحياة المستمرة ويجب أن أكون قوية ومستعدة لأي شيء في أي وقت.
سابقا، كنت أعيش على "رذم" الحياة حلوة، وكل يوم هو يوم جميل... وكأنني أنام على صوت خرير الماء في فراش من بنفسج، ثم أصحو تحت شجرة ياسمين كانت تلحفني طيلة منامي.
وفجأة بعد أن أُصحصح أرجع للاستيعاب بأن (سابقا) ليس سوى حلم، لم أبلغه في الواقع... وبأنني لست أميرة من أرض "لالالاند" بل مقاتلة شرسة من أرض "دراغونلاند". ومع ذلك أشعر بالطمأنينة لشعوري بقرب الله، وسعيي لنيل رضاه.
وأتوجه إلى معركتي كل يوم وأنا على أتم استعداد للاستشهاد، وطبعاً معاركنا ليست بسيوفٍ وسروج وخيول؛ بل مع أنفسنا أولًا؛ فتقويم النفس الأمّارة بالسوء، هو أعظم جهادٍ.
وكلما شعرت بالضعف والانكسار، تذكرت القائد الجليل خالد بن الوليد الذي لم يُهزم في معركة، قبل إسلامه ولا بعده.
ثم بدأ عقلي يطرح الأسئلة: لو جاء خالد ابن الوليد في زمننا هذا وتقدم لوظيفة قيادية، هل سيُقبل دون شهادة أكاديمية؟ أو لو جاء عُثمان بن عفان ليتولى منصبًا اقتصاديًا وتجاريا؟
والواقع أنهما سيرفضان لأنهما لا يمتلكان شهادات أكاديمية! فهذه الشهادات أصبحت هي قيمة الإنسان اليوم!!
طبعا، لا نُنكر أهمية التعليم؛ فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر، والمدرسة لا تُعلم الطفل القراءة والكتابة فقط، بل تعلمه كذلك الانضباط والالتزام واحترام الوقت. وبذلك الشهادة العليا يجب أن تكون إضافة وصقلًا، لا معيارا للقيمة المهنية الأساسية للكوادر البشرية.
أحيانًا أشبّه الأمر بهديةٍ بسيطة الثمن لكنها مغلّفة بإتقان؛ فتبدو مبهرة، وأخرى ثمينة في غلاف عادي فلا تثير الانتباه. فينخدع الناس بالمظهر وينسون الجوهر. كذلك في سوق العمل؛ قد يُقدَّم صاحب الشهادة المختومة على صاحب الخبرة العميقة، مع أن الثاني قد يكون أقدر على العطاء لأنه في ميدان العمل منذ نعومة أظفاره، والآخر كان في ميدان الكتب والعلم ثم أتى للعمل.
وللأسف، السعي وراء الشهادات ساهم في تأخير التوظيف، وبالتالي تأخير الزواج والاستقرار. سنوات طويلة يقضيها الشباب في الدراسة ثم البحث عن الوظيفة، بينما تتراكم الطاقات العاطفية المعطلة، التي تتسبب بزيادة حالات الفساد الأخلاقي الذي نراه اليوم لغياب الاستقرار العاطفي الآمن وهو الزواج.
ومن جانب آخر استمرار بوار الكوادر مع زيادة الملفات المحترقة في طابور الانتظار من الباحثين عن عمل ثم المسرحين عن العمل، وهلّم جرًا.
وللأسف، غاب عن بالنا، بأن الدول في أوقات الشدة لا يحميها إلا أبناؤها المحبين، وللأسف السياسات الاستراتيجية الاستثمارية الدولية المتداخلة مع التنمية البشرية بدأت تسبب الاهتزازات و"كهربت" أرض الواقع، بينما الكرة الأرضية مهتزة سياسيًا أصلًا.
ومن الضروري إعادة توازن الميزان، قبل أن يطفح المكيال بالميزان، وينقلب السحر على الساحر. وبعض الكوادر لديها طاقات كمثل العصا السحرية التي تستطيع إعادة النقاط إلى الحروف بعد سرقتها، وهذه قدرات خارقة لا يجوز هدرها.
