من الصواريخ إلى الغواصات.. ماذا نعرف عن القوة العسكرية الإيرانية التي تثير قلق أمريكا؟

عواصم - الوكالات

في عام 2007، دفعت وزارة الدفاع الأمريكية إلى تقطيع عدد من مقاتلات F-14 Tomcat في قاعدة ديفيس-مونثان بولاية أريزونا، في خطوة لم تكن مجرد إجراء للتخلص من فائض عسكري، بل محاولة لمنع تسرب قطع الغيار إلى إيران، الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي امتلكت هذا الطراز قبل ثورة 1979.

وقد حصلت طهران عام 1976 على 80 طائرة من هذا النوع، تسلمت منها 79 قبل قطع العلاقات. وبعد الثورة، وجدت الجمهورية الإسلامية نفسها أمام تحدٍ معقد: كيف تُبقي مقاتلات متطورة في الخدمة دون دعم تقني أو لوجستي من الشركة المصنعة؟

وكانت صيانة الطائرة تتطلب عشرات ساعات العمل الأرضي مقابل كل ساعة طيران، إضافة إلى تعقيد محركاتها وأنظمتها الإلكترونية. ومع فرض العقوبات الأمريكية الشاملة، أطلقت طهران مطلع الثمانينيات ما سمّته “جهاد الاكتفاء الذاتي”، معتمدة على الهندسة العكسية، وتفكيك الطائرات غير الصالحة للطيران لاستخدامها كمصدر لقطع الغيار، وإنشاء شبكات توريد عبر وسطاء وأسواق موازية.

ورغم تشديد الرقابة الأمريكية واعتقال عدد من الوسطاء داخل الولايات المتحدة بتهم تصدير غير قانوني لمكونات عسكرية، استمرت الطائرات الإيرانية في التحليق. وعندما نفدت صواريخ AIM-54 Phoenix الأصلية، طورت إيران بديلا محليا أطلقت عليه اسم فكور-90، ونجحت في دمجه مع أنظمة التحكم الناري للطائرة.

وبحلول العقد الثالث من الألفية، لم تعد “إف-14” تمثل ثقلا عسكريا حاسما، خاصة بعد تقارير عن استهداف بعضها في ضربات إسرائيلية عام 2025، إلا أن أهميتها تحولت إلى رمز لقدرة مؤسسية على إبقاء منظومة معقدة عاملة رغم العزلة التقنية.

والتحول الأبرز في الصناعة العسكرية الإيرانية لم يكن في الجو، بل على الأرض. فخلال الحرب العراقية الإيرانية، بدأت طهران استيراد صواريخ سكود من ليبيا وكوريا الشمالية، قبل أن تعيد هندستها عكسيا لإنتاج صواريخ “شهاب” محليا.

ومع مرور الوقت، انتقل البرنامج من تقنيات الوقود السائل إلى الوقود الصلب، ما أتاح سرعة إطلاق أعلى وقدرة أكبر على المناورة. ومن بين أبرز هذه المنظومات صاروخ سجيل 2 متوسط المدى، وصاروخ عماد المطور بدقة محسنة.

وفي يونيو 2023، أعلنت إيران عن صاروخ فتاح 1، الذي تصفه بأنه فرط صوتي، بسرعة تتجاوز 13 ماخ ومدى يقارب 1400 كيلومتر، مزود برأس حربي قابل للمناورة. كما كشفت لاحقا عن نسخة مطورة باسم فتاح 2.

وبحسب تقديرات القيادة المركزية الأمريكية عام 2022، تمتلك إيران أكثر من 3000 صاروخ باليستي، في أكبر ترسانة من نوعها في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس انتقال طهران من مرحلة الاعتماد على الاستيراد إلى الاكتفاء شبه الكامل بالإنتاج المحلي.

وبحريا، اتبعت إيران المسار ذاته: استيراد ثم تصنيع. ففي تسعينيات القرن الماضي تسلمت ثلاث غواصات من طراز Kilo-class submarine الروسية، قبل أن تبدأ تطوير غواصات محلية أصغر حجما مثل غدير للعمل في المياه الضحلة للخليج.

وفي فبراير 2019، دخلت الغواصة فاتح الخدمة، كأول غواصة متوسطة الحجم مصممة ومصنعة محليا بالكامل، قادرة على إطلاق طوربيدات وصواريخ كروز وزرع ألغام بحرية.

ويُعد زرع الألغام أحد أبرز عناصر الردع البحري الإيراني، خاصة في مضيق هرمز، حيث تشير تقديرات إلى امتلاك طهران آلاف الألغام البحرية المتنوعة، ما يمنحها قدرة نظرية على تعطيل الملاحة في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

وتكشف هذه المسيرة أن جوهر القوة الإيرانية لا يكمن فقط في عدد الصواريخ أو الغواصات، بل في البنية الصناعية التي تشكلت تحت ضغط العقوبات. فالهندسة العكسية، وشبكات التوريد البديلة، والاستثمار في التصنيع المحلي، تحولت من حلول اضطرارية إلى عقيدة إنتاج عسكري.

وبينما تؤكد واشنطن أن العقوبات حدّت من وصول إيران إلى التكنولوجيا المتقدمة، ترى طهران أن القيود دفعتها إلى تسريع الاكتفاء الذاتي. وبين الروايتين، يبقى الثابت أن أربعة عقود من العزلة لم توقف تطور القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، بل أعادت تشكيلها.

وهكذا، لم يكن تقطيع مقاتلات “إف-14” في أريزونا سوى فصل في مواجهة طويلة، عنوانها الأبرز: صراع الإرادة الصناعية بقدر ما هو صراع السلاح ذاته.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z