خالد بن حمد الرواحي
أحيانًا لا يحتاج القائد إلى تصفيقٍ طويل ليشعر أنه أنجز؛ يكفيه ذلك الإحساس السريع بأن شيئًا تحرّك، وأن القرار الذي اتخذه أحدث صدىً مباشرًا حوله. في عالمٍ سريع الإيقاع، ينجذب الإنسان بطبيعته إلى لحظات الرضا الفوري؛ تلك اللحظات القصيرة التي تمنح شعورًا مكثّفًا بالحركة قبل أن تهدأ سريعًا.
ويشير علم النفس إلى أن «الدوبامين»- بوصفه ناقلًا عصبيًا مرتبطًا بالمكافأة والتحفيز- يلعب دورًا في هذا الإحساس العابر. وفي بيئة القيادة، قد يتحوّل هذا الإيقاع إلى نمطٍ إداري غير معلن؛ حين يندفع بعض القادة نحو قرارات تمنحهم نشوة البداية، لكنها لا تبني أثرًا طويل المدى، بل تترك خلفها انعكاسات تظهر مع الزمن، وتكشف لاحقًا الفرق بين ما يُرضي اللحظة وما يصنع المسار.
قد تبدو بعض القرارات لامعة لأنها سريعة الأثر؛ إعلانٌ مفاجئ، أو تغييرٌ سريع في الهيكل، أو خطوة تمنح شعورًا فوريًا بالحركة. في تلك اللحظة، يبدو المشهد وكأن المؤسسة تتقدّم بخطوات واسعة، ويشعر الجميع بأن شيئًا جديدًا بدأ يتشكّل. غير أن هذا الإحساس- على جماله- قد يدفع أحيانًا إلى تفضيل ما يرضي اللحظة على ما يبني المسار، فيتحوّل القرار من رؤيةٍ بعيدة المدى إلى استجابةٍ لإيقاعٍ سريع لا يمنح الفكرة وقتها الكافي لتنضج وتستقر.
ولا يظهر «دوبامين القيادة» في قراراتٍ كبيرة فقط، بل يتسلّل أحيانًا في تفاصيل صغيرة تبدو عابرة؛ البحث المستمر عن إنجازاتٍ تُقاس بردّة الفعل اللحظية، أو الميل إلى ما يمنح شعورًا سريعًا بالتقدّم حتى لو لم يكن أثره ممتدًا. المشكلة ليست في الرغبة بالإنجاز، فهي جزء أصيل من روح القيادة، بل حين يتحوّل معيار النجاح من جودة الأثر إلى سرعة الشعور به، فتتبدّل الأولويات بهدوء، وقد يجد القائد نفسه يركض خلف الإحساس بالإنجاز أكثر من سعيه إلى بناء إنجازٍ حقيقي.
ومع الوقت، قد تبدو المؤسسة في حالة حركة دائمة، وكأن شيئًا يحدث في كل زاوية، لكن دون عمقٍ كافٍ في البناء. تتراكم المبادرات وتتغيّر العناوين، بينما يبقى الأثر الحقيقي محدودًا لأن القرارات لم تُمنح المساحة الكافية لتترسّخ وتتحوّل إلى نتائج ملموسة. وهنا يظهر الفرق بين إنجازٍ يهدأ بعد ضجيجه، وإنجازٍ يترك أثرًا مستمرًا حتى بعد أن يغيب عنه الضوء، فيمنح المؤسسة استقرارًا لا يعتمد على اللحظة بل على المسار.
غير أن الوعي بهذا الإيقاع لا يعني مقاومة الفرح بالإنجاز، بل إعادة تعريفه ومنحه معنى أعمق. فالقائد الناضج لا يهرب من لحظات الرضا السريعة، لكنه لا يجعلها البوصلة الوحيدة لاتجاهه، بل يتعامل معها كإشارةٍ عابرة لا كغايةٍ نهائية. وهنا يبدأ في طرح أسئلة مختلفة على نفسه: هل ما أفعله الآن يضيف عمقًا حقيقيًا للمؤسسة، أم يمنحني فقط إحساسًا سريعًا بالحركة؟ وهل القرار الذي يلمع اليوم سيبقى قادرًا على الصمود حين يهدأ وهجه ويختفي بريقه الأول؟
وحين يتحوّل هذا السؤال إلى عادةٍ ذهنية، تتبدّل طريقة القيادة بهدوءٍ يكاد لا يُلاحظ في بدايته. لا يعود القائد يبحث عمّا يثير الإعجاب أولًا، بل عمّا يصمد مع الزمن حتى لو بدا أقل بريقًا في لحظته الأولى. هنا لا يغيب الحماس، لكنه يتحرّر من استعجال النتائج، ويصبح أكثر وعيًا واتصالًا بهدفٍ أعمق يتجاوز حدود اللحظة.
وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الحقيقي أمام القائد هو البحث عن شعورٍ دائم بالإنجاز، بل القدرة على التمييز بين ما يرضي اللحظة وما يبني المسار. فالدوبامين القيادي ليس خطأً في ذاته؛ إنه جزء من طبيعة الإنسان حين يرى أثر عمله سريعًا، لكنه يصبح عبئًا حين يتحوّل إلى معيارٍ وحيد للحركة. وحين يتحرّر القائد من سطوة الإشباع اللحظي، لا يفقد شغفه؛ بل يعيد توجيهه نحو معنى أعمق، يمنح قراراته ثباتًا، ويجعل أثره أبقى من أي تصفيقٍ عابر.
