د. يوسف الشامسي
"غادرتُ عُمان وأنا أشعر أنّي رأيت صورة للمستقبل لم يكن من المفترض أن أراها".. بهذه الكلمات العميقة لخص الكاتب الأمريكي ويل مانيديس، دهشته بعد زيارته لسلطنة عُمان قبل أيام، واصفًا إياها- عبر مقالة في حسابه بمنصة إكس- بالدولة التي نجحت في تحقيق معادلة "شبه مُستحيلة": ثراء وحداثة استثنائية، دون أن تفقد هويتها كتلك المدن التي استحالت ناطحات سحاب جامدة بواجهات زجاجية مجردة من الروح.
هذا التوازن الدقيق- الذي هندسَهُ السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- بحكمة جنّبتْ البلاد فوضى الحداثة الاستهلاكية- هو اليوم أعظم أصول عُمان كما يراها الزائر، والذي انعكس خارجيًا عبر سمعة دبلوماسية راسخة أضحت ركيزة أساسية لمكانة عُمان الفريدة دوليًا. ولكن نسأل عبر هذا المقال: إلى أيّ مدى نكتفي بهذه الصورة المُشرقة والسمعة الطيّبة وحدها دون أن يصحبها "صوت" مسموع يُخاطب العالم بلغته، يجني ثمرها المواطن في الداخل، ويحلّق بهذه التجربة الاستثنائية إلى آفاق أرحب؟
فكما شاهد العالم قبل أيام، برزت السلطنة كأهمّ لاعب دبلوماسي مؤكدة دورها المحوري كوسيط حاسم في أعقد الملفات الدولية، وذلك باستضافتها الجولات التفاوضية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط وجنيف. هذا الدور الفاعل تصدّر عناوين الصحف ووكالات الأنباء العالمية التي وصفت الدبلوماسية العُمانية بمصطلحات تعكس دورًا إيجابياً مؤثرًا؛ فوصفتها وكالة رويترز بـ"الوسيط المحايد الذي لا غنى عنه"، وأشارت وكالة أسوشيتد برس وصحيفة نيويورك تايمز، إلى عُمان باعتبارها "القناة الخلفية الأساسية" في المفاوضات، كما أشادت صحيفة فايننشال تايمز بقدرة عُمان على "فصل الملف النووي عن الملفات الإقليمية الأخرى"، بينما وصفت الصحف الإيرانية دور السلطنة بـ"المحايد" و"الوسيط الاستراتيجي الموثوق"، فيما اعتبرها معهد الشرق الأوسط "شريان التهدئة" و"الخط الأخير للدبلوماسية الوقائية في المنطقة".
هذه التوصيفات الإيجابية قد يُظنّ أنها وليدة اللحظة، بيد أنها حصادُ عقود من الحياد الإيجابي والوساطة النزيهة التي جعلت من عُمان "واحة أمان" في منطقة تعج بالتوترات. ومع ذلك نقول إنَّ الاعتماد على وسائل الإعلام الخارجية لنقل سرديتنا الدبلوماسية يظلّ قاصرًا؛ فالإعلام الدولي بطبيعته يتناول الدور الدبلوماسي ضمن سياق أخباري عابر، في حين بالإمكان- مع توفير الدعم وتعزيز الأدوات- استثمار هذه السمعة الدبلوماسية الراسخة لترويج مقومات الدولة السياحية والطبيعية والاقتصادية والثقافية كتلك التي تطرق لها الكاتب ويل مانيدس.
تُشير الدراسات الحديثة في مجال الإعلام الدولي إلى أن الإعلام الناطق باللغات الأجنبية يؤدي دورًا حاسمًا في تشكيل "نية السفر" لدى الجماهير. فعلى سبيل المثال، نجحت الدراما التركية وبرامج الطهي اليابانية (الأنمي والوثائقيات) في خلق فضول عالمي تحول إلى تدفقات سياحية هائلة. وفي دراسة حول تأثير الإعلام الصيني الموجه عن باكستان، وُجِدَ أن 60% من التغطية التي ركزت على الجمال الطبيعي ارتبطت بزيادة رغبة الجمهور في الزيارة. أمّا عُمان- بتضاريسها المتنوعة ثقافتها العريقة وشعبها المضياف- تمتلك "المنتج"، لكنها تفتقر إلى "المنصة" الدولية التي تخاطب السائح المحتمل بلغته، وتزيل مخاوفه، وتقدم له عُمان بطريقة مشوّقة وأسلوب جذّاب.
من هنا، تبرز الحاجة الماسة لامتلاك زمام المبادرة الإعلامية، وتوجيه هذه "القوة الناعمة"- باقتباس جوزيف ناي- لتحقيق العديد من المصالح الاستراتيجية. إن القنوات الموجهة بلغات أجنبية (مثل شبكة "MBN" الأمريكية، وBBC البريطانية، و"فرانس 24"، و"تي آر تي" التركية، و"روسيا اليوم"، و"CGTN" الصينية وDW الألمانية، وغيرها) ليست سوى أذرعٍ استراتيجية للسياسة الخارجية والقوة الدبلوماسية والترويج الاقتصادي لهذه الدول. وهذه القنوات تمثل ثورة في مفهوم السيادة؛ بنقلها سردية دولتِها مباشرة إلى الجمهور الأجنبي دون وسطاء، وصياغتها أو أعادة رسمها لما تريد من مفاهيم وتصوّرات لدى الشعوب الأخرى، وبنائها جسورًا من القوة الناعمة. وبالنسبة لدولة بحجم وثقل عُمان الدبلوماسي، فإن غياب ذراع إعلامي ناطق بالإنجليزية أو لغات حيوية أخرى يُخلي الساحة للآخرين لرسم صورتنا نيابة عنا.
إنَّ توظيف هذه السمعة الدبلوماسية المرموقة يتطلب تدعيمها بقوة إعلامية وطنية عابرة للحدود، قادرة على تحويل "مسقط عاصمة السلام" إلى محرك اقتصادي جذّاب. صحيحٌ أن الترويج للغة والتاريخ والثقافة فعلٌ سياسي بامتياز، ولكنَّ خلافًا لتلك الدول التي تتخذ من الإعلام الموجه "بروباجندا" سياسية مزيفة لتحقيق أطماعها الخارجية، إنما يمكن استثمار هذه الفرصة بتقديم عُمان كما هي: واحة للسلام، ووجهة للاستثمار، ومتحفًا مفتوحًا للتاريخ والطبيعة.
تُشير الأرقام- حسبما كُشِف في اللقاء الإعلامي الأخير لوزارة التراث والسياحة- إلى أن عُمان استقبلت نحو 3.9 مليون زائر في 2025، وبلغت مساهمة القطاع السياحي 2.7% من إجمالي الناتج المحلي في الربع الثالث من 2025، فيما بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 8.84 مليار دولار في النصف الثاني من 2025. المؤشرات تتصاعد عامًا بعد عام، والطموح أن نصل إلى 12 مليون زائر وبمساهمة 5.3% في إجمالي الناتج المحلي بحلول 2040؛ لذا يظل التحدي في جذب أسواق عالمية جديدة. هذه الأرقام قابلة بلا شك قابلة للمضاعفة فيما لو امتلكت السلطنة منصات دوليّة موجّهة تفعّل "الدبلوماسية الإعلامية" وتربط بين الاستقرار السياسي وجمال الطبيعة الخلابة، وتجذب السياح الباحثين عن وجهات آمنة ومضيافة، محولةً الحياد العُماني إلى "علامة تجارية" عالمية تُدر عوائد اقتصادية مستدامة وتدعم رؤية "عُمان 2040".
ولعله من المفارقة أن نجد كليات الإعلام في السلطنة تُخرِّج المئات من المتخصصين في الاتصال والاعلام الرقمي والصحافة باللغة الإنجليزية. وهؤلاء الشباب يمتلكون المهارات اللغوية والأدوات الحديثة؛ بيد أنهم يصطدمون بشُح المؤسسات المحلية التي تستقطب هذه الكفاءات وتستوعب طاقاتهم، والنتيجة هدرٌ لطاقات وطنية شابة تضطر للعمل في مجالات بعيدة عن تخصصها أو الانخراط في مؤسسات إعلامية ناطقة بالعربية لا تستثمر مهاراتهم اللغوية الاستثمار الأمثل.
لذلك نرى أن تأسيس منصة إعلامية دولية ناطقة بالإنجليزية- ولغات أخرى كالفرنسية أو الصينية مستقبلًا- في ظل هذه المقومات المواتية أصبح ضرورة لإبراز عُمان عالميًا كفرصة فريدة للسياحة والاستثمار، فضلًا من كونها استثمارًا حقيقيًا في الكوادر الوطنية الشابة، تهيئ لهم فرص عمل نوعية، وتصنع منهم سفراء إعلاميين عبر تفعيل "الدبلوماسية الشعبية"، فينقلون سرديّة عُمان- بسلامها، وتراثها، وحداثتها- بلسان الشعوب الأخرى.
** أكاديمي بقسم الإعلام الجماهيري في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى
