عُمان.. ميزان الهدوء في عالمٍ مضطرب

 

 

 

محمد بن علي البادي

في عالمٍ تضيق فيه مساحات اللقاء وتتسع فيه فجوات الصدام، تبرز عُمان لا كجغرافيا عابرة؛ بل كفلسفةٍ أخلاقيةٍ تعيد صياغة مفهوم القوة؛ فهي القوة التي لا تستعرض عضلاتها في ميادين الضجيج؛ بل تمارس تأثيرها في أروقة الحكمة الصامتة. وحين تكتظ سماء المنطقة بغيوم الأزمات وتلوح في الأفق نذر المواجهة، تلتفت أنظار القوى الكبرى نحو مسقط، بحثًا عن ذلك الصوت الرزين الذي لا يغترّ بالانفعال ولا ينكسر تحت وطأة العواصف. هناك، عند حافة القلق الدولي، تقف السلطنة كضامنٍ تاريخيٍ للتوازن، وجسرٍ مُمتدٍ بصلابةٍ بين طهران وواشنطن، مبرهنةً للعالم أنّ الدبلوماسية ليست مجرد وسيلةٍ لتجنب الحرب؛ بل هي فنٌّ استراتيجيٌ يدار بعقلٍ باردٍ في أزمنةٍ يغلي فيها الجميع بالاستعجال.

ومع تزايد تعقيدات المشهد الإقليمي، تثبت مسقط مجددًا أنها ليست وسيطًا طارئًا على مسرح الأحداث؛ بل هي الركيزة التي يستند إليها الاستقرار في المنطقة. فعندما يخرج الصوت العُماني الرزين متمثلًا في تصريحات السيد بدر بن حمد البوسعيدي ليؤكد استمرار المحادثات، فإنَّ الأمر يتجاوز البروتوكول المعتاد؛ إنه رسالة سياسية عميقة مفادها أنَّ خيوط الحوار لا تزال ممسوكة بإحكام، وأن أبواب التفاهم تظل مشرعة حتى في أكثر اللحظات حرجًا، لأنَّ المدرسة العُمانية تُؤمن بأن أخطر ما في الأزمات ليس اشتداد الخلاف؛ بل ذلك الانقطاع المُفاجئ في قنوات التواصل الذي يُمهد الطريق لخيارات المواجهة المدمرة.

إن القيمة الحقيقية للدور العُماني تتجلى في القدرة الفائقة على إدارة التوتر دون الانجرار إليه، وامتصاص الصدمات الكبرى دون أن يمس الثوابت أي انكسار. هي عملية بناء صامتة تجري خلف الكواليس، حيث تهيأ الأرضية لتفاهمات قد لا تحتفي بها عناوين الأخبار اليوم، لكنها تشكل حجر الزاوية لأمن الغد. لقد علمتنا التجربة أن الوساطة العُمانية ليست حيادًا سلبيًا أو وقوفًا على الهامش؛ بل هي موقف أخلاقي واستراتيجي في آنٍ معًا؛ فالدولة التي تملك ثقة الأطراف المتباعدة، إنما تملك مفاتيح التهدئة، وعُمان عبر تاريخها الحديث لم تنظر إلى الوساطة كدورٍ إعلامي؛ بل كمسؤوليةٍ إقليمية تسهم في حماية المنطقة من انزلاقاتٍ قد تتجاوز حدود الحسابات.

في هذا العالم الذي يتسارع فيه بناء الجدران وتضيق فيه مساحات اللقاء، تظل مسقط النموذج الأسمى لدبلوماسية تؤمن بأنَّ الاستقرار الحقيقي لا يصنعه الصوت الأعلى؛ بل تصنعه الكلمة الأهدأ والأصدق. إنها فلسفة سياسية ترى في حفظ الجسور إنجازًا أسمى من تسجيل المواقف اللحظية، وتدرك أن المستقبل يبنى حين يختار العقل أن يتقدم خطوة على الغضب. هكذا تدار الأزمات في بيت الحكمة العُماني: توازنٌ يغني عن الاندفاع، وعقلٌ يدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في إشعال الحرائق؛ بل في امتلاك القدرة والحكمة لإخمادها قبل أن تلتهم الجميع، ليبقى الصمت العُماني دائمًا أبلغ من كل ضجيجٍ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z