حسين الراوي
منذ 3 أسابيع وحتى هذه الليلة، ما زلت أغوص في القراءة والكتابة، أحذف وأضيف وأبحث وأعالج نصًا أدبيًا عبارة عن مقال نقدي. لم أكن أتوقع أن شدة التركيز لساعات طويلة على مدى أيام متواصلة قد تؤثر على صحتي.
في اليوم الرابع شعرت بدوارٍ، وتشويش في عينيّ، وضيق نفسي، وغثيان. وبعد أن فحصني أحد أصدقائي الأطباء في عيادته، أخبرني أن التركيز لفترات طويلة دون فواصل يرهق الدماغ والجسم، مُسببًا صداعًا، وتوترًا، وإرهاقًا، وضعفًا في المناعة، واضطرابات في النوم، وأن هذه الحالة تُعرف طبّيًا باسم إرهاق معرفي (Mental Fatigue)، وهي حالة حقيقية يعاني منها الكثير من الكُتّاب والنقّاد عندما يدفعون الدماغ إلى حدود التركيز المستمر دون توازن. حيث إن الدماغ مثل العضلة يتراكم فيه نواتج أيضية (مثل الغلوتامات) مع الجهد المعرفي الطويل، فيزداد “تكلفة” السيطرة المعرفية، ويبدأ الجسم بإرسال إشارات توقف (صداع، دوار، اضطراب معدي، ضيق نفسي).
نصحني الطبيب الصديق بأخذ استراحة عن القراءة والكتابة لمدة ثلاثة أيام، مع تجنب التفكير في أي جزئية تتعلق بالمقال. وبالفعل التزمت بإجازة الراحة تلك ولم أقترب من المقال طوال المدة.
الناس تأخذ راحة من الدوام للسفر والمتعة، وأنا آخذ إجازة من القراءة والكتابة لأعيد علاقتي معهما بشكل جديد وطبي!
ولقد دلتني زميلة مهاجرة في النرويج على تقنية "البومودورو"، وهي أسلوب لإدارة الوقت طوّره فرانشيسكو سيريلو، مطوّر برمجيات إيطالي ورائد أعمال. ابتكر التقنية أثناء دراسته الجامعية في أواخر الثمانينيات، مستوحىً من مؤقت على شكل طماطم (pomodoro بالإيطالية). تعتمد على فترات عمل مركّزة مدتها 25 دقيقة تليها استراحة 5 دقائق، وبعد أربع دورات تأتي استراحة أطول (15- 30 دقيقة). تساعد على تعزيز التركيز، تقليل الإرهاق المعرفي، وتقسيم المهام الكبيرة، مثل كتابة مقال نقدي، إلى وحدات صغيرة.
ولتطبيقها: حدِّد مهمة واحدة واضحة لكل فترة، استخدِم مؤقتًا بسيطًا، وتجنب المقاطعات، مع إمكانية تعديل المدة إلى 35- 40 دقيقة عند الحاجة إلى كتابة عميقة. وقد ساعدتني هذه التقنية كثيرًا عندما عدت لاحقًا لاستكمال المقال.
ومن الطريف في حكاية هذا المقال النقدي، أنني كوَّنت عدة مسودات له بسبب التعديلات المستمرة والأفكار الجديدة التي تظهر مع كل مراجعة؛ فأطلقت على مسوداتي أسماء متنوّعة لكي أفرّق بينها ولا تختلط: مسودة التفاحة، ومسودة العنب، ومسودة البطاطا، ومسودة الجوهرة، ومسودة الألماس، وآخرها مسودة ظفار! وعلى ما يبدو أن "مسودة ظفار" وصلت معها لبداية إتمام الكثير من المقال بمشيئة الله تعالى.
في النهاية، أدركت أن الكتابة؛ سواء كانت نقدية أو إبداعية، ليست سباقًا نحو الإنهاء بأي ثمن؛ بل هي علاقة طويلة الأمد تحتاج إلى رعاية متبادلة. الدماغ، مثل أي عضو حي، يطلب الراحة كي يعود أقوى، وأن تلك المسودات- من التفاحة إلى ظفار- ليست مجرد أسماء طريفة؛ بل شهادات على أن الإصرار يحتاج إلى توازن حتى لا يتحول إلى إيذاء ذاتي. ربما يكون الدرس الأكبر أن الإرهاق المعرفي ليس عيباً في الإرادة؛ بل إشارة من الجسم بأن الإبداع يزدهر في الحدود لا خارجها.
