نصف قرن من الذاكرة الخليجية

 

 

 

 

مدرين المكتومية

عندما أعودُ بالذاكرة إلى مراحل الطفولة والصبا وأجول في شريط الأوقات التي لن تتكرر، وأتنقّل بين محطات حياتية تشرّبنا حلاوتها، أتذكرُ تلك الشاشة الصغيرة التي تتوسط غرف المعيشة في كل منزل وبيت، وكانت أشبه بموعد نتقاسمه مع من نُحب، ننتظر بفارغ الصبر أن نُنهي واجباتنا المدرسية لنجري ونتسمر أمام الشاشة بانتظار البرامج التي نتعلق بها، كانت أعيننا تترقب الساعة المُثبتة على الجدار ونترك خلفنا كتب الدراسة إيذانًا بموعد برنامجنا المفضل.

كُنَّا نعيش مع شخصيات البرامج والكرتون وكأننا نعيش مع أفراد عائلتنا. وتلك الأصوات المألوفة والأغاني التي نحفظها عن ظهر قلب ساعدتنا في احترام لغتنا أولًا، وعلمتنا أن نحبها جدًا؛ إذ كانت تبني داخلنا وطنًا مشتركًا، حكايةً خليجيةً واحدةً تتقاسم نفس القيم والمبادئ والصفات، تلك المُتعة العابرة كانت أساسًا مُمتدًا من الالتزام وقيمة حقيقة للمثابرة والاجتهاد، فمتابعة تلك البرامج والكرتون والدراما كانت بمثابة مكافأة يومية نحصل عليها بعد أن ننهي دروسنا وواجباتنا، تلك الشاشة التي جمعتنا بكل شغف صادق، وها نحن اليوم وبعد 50 عامًا ندرك أن تلك الطفولة التي نعتقدها مرحلة ماهي إلا بذرة وعي ترعرعت بعناية ومازالت تنمو حتى يومنا هذا.

إننا نعيش في زمنٍ تتغير فيه المنصات والمواقع، وتتبدل فيها أدوات التأثير أيضًا؛ ليبقى لبعض المؤسسات تواجدا مختلفا وحضورا لافتا لا يمكن أن يزول وينتهي تحت ظل أي تغيير يطرأ، ليس لأنها موجودة وقائمة بحد ذاته، وإنما لأنها لا زالت تعيش في الذاكرة وتستوطن في العقول، ومن بينها مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي احتفلنا بمرور 50 عامًا على تأسيسها. لم يكن الاحتفال فقط بالتاريخ، بقدر ما نحتفل بالمُنجَز والتجربة الخليجية الرائدة التي استطاعت أن تجعل من الإعلام جزءًا من الهوية، ومن الثقافة مشروعا مشتركا لم يتغير أبدًا بمرور الزمن.

هذه المؤسسة لم تكن يومًا مجرد كيان وإنما كانت مؤسسة ثقافية تربوية غير معلنة، نشأنا على برامجها وما تقدمه لنا؛ فالشاشة آنذاك لم تكن مجرد وسيلة للترفيه بقدر ما كانت نافذة لبناء الإنسان وغرس المبادئ والقيم النبيلة وطريق لتقريب بين الشعوب والتعرف على طبيعة كل مجتمع، ولا يمكن أن ننسى الطفولة التي عشناها مع "افتح يا سمسم" و"سلامتك" و"عدنان ولينا" وغيرها، من البرامج التي أثرت علينا في مرحلة من مراحلنا المبكرة التي أصبحت مع الوقت ذاكرة مجتمع بأكمله.

عشنا خلال حفل شعور مليء بالحنين والانتماء، شعور بداخلنا غريب حين كان الزمن يعود بنا؛ فالإعلام الذي كان يحمل رسالة ذكرنا أن الفن قبل أن يبهر فهو يربي وينشأ، وعندما نتحدث عن العمل الخليجي المشترك فإننا لا نتحدث عن الإعلام والثقافة وحسب، بل نتحدث عن بناء مجتمع بمختلف أطيافه؛ فالبرنامج الواحد يؤثر على ملايين الناس، وبالتالي فإننا من الممكن أن نصنع نموذجا خليجيا متكاملا في التنمية والتعليم ورفع القيم والوعي لدى المجتمعات؛ فالوحدة في صناعة رسالة وفكرة هي الوحدة التي أيضا تشكل الفكر وهو من أهم مقومات استقرار المجتمعات ونموها.

ما يجب علينا اليوم أن نقوم به ونفكر فيه هو إمكانية إعادة التجربة لجيل جديد مختلف وبأدوات مواكبة للعصر تتناسب معه، وبالتأكيد ليس تكرار الماضي؛ بل محاكاته بروح حديثة وحضارية تتناسب مع طفل اليوم، وذلك بربط المنصات والتطبيقات الرقمية السريعة مع محتوى تفاعلي وإنتاجات رقمية ذكية بلُغة تشبههم وقريبة منهم.

وأخيرًا.. إنَّ مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أثبتت أنها الجسر الذي يربط المجتمعات ويبني العلاقات؛ لأن الأعمال المشتركة تُسهم في بناء فكر خليجي جديد، وتعمل على ترميم الذاكرة وترفع من العلاقات وترابطها، ولا يُمكن هنا النظر إلى 50 عامًا من الإبداع على أنها مجرد سنوات مضت؛ بل إنها قصة خليجية كتبها الفن وعرضتها الشاشات وآمن بها كل مواطن خليجي.

الأكثر قراءة

z