سالم بن علي العريمي
في أيِّ تجربة سياسية يصل فيها المجتمع إلى لحظة يُعيد فيها طرح الأسئلة الكبرى، يكون ذلك إعلانًا غير مباشر بأن أدوات المشاركة لم تعد كافية، وأن المنظومة، بكل مكوناتها، مُطالَبة بمراجعة أعمق وأصدق.
هذا تمامًا ما يتجلّى اليوم في التجربة القائمة مع مجلس الشورى المنتخب، وهي تجربة قطعت خطوات في البناء والتدرج، لكنها ما تزال مُحاطة بقدر من الضباب الذي يكشف أن المسار بحاجة إلى إعادة ضبط لا إلى إعادة اختراع؛ فالمجلس قائم، والأعضاء متواجدون، والآليات معروفة، إلا أن الحصيلة لا تزال دون مستوى توقعات المواطن. وهذا وحده يجعل السؤال يسبق الجواب: أين يكمن الخلل؟ هل في القواعد؟ أم في الوعي؟ أم في الإرادة التي تُشكِّل الإطار العام للمشهد؟
إنَّ التحدي الأساسي لا يتعلق بغياب الهياكل، بل بضعف قدرتها على التحول إلى قوة فعلية تؤثر في القرار وتصنع السياسات. والتجربة التي أمامنا، مثال واضح على هذه الإشكالية؛ فالمجلس حاضر من الناحية الشكلية، لكنه لا يحول هذا الحضور إلى أثر ملموس يشعر معه المواطن بأن صوته انتقل من صندوق الاقتراع إلى طاولة القرار، وبين هذه المسافة التي تمتد من لحظة التصويت إلى لحظة التأثير، يتوزع الخلل بين عضو لا يدرك حجم الدور، وحكومة لا تمنح الأدوات الكافية، ومجتمع لم يحسم بعد معايير الاختيار.
هذه القراءة ليست لتقليل ما تحقق، بل لتشخيص جوهر التحدي؛ فالتجارب السياسية لا تنمو تلقائيًا؛ بل تحتاج إلى وقفات مراجعة تُشكِّل جسرًا نحو مرحلة أكثر نضجًا، واليوم نحن أمام إحدى تلك اللحظات التي يصبح فيها التمكين مطلبًا واقعيًا لا أُمنية، والرقابة ممارسة لا شعارًا، والاختيار مسؤولية لا مجاملة، والعضوية دورًا لا وجاهةً، عند هذا المستوى فقط يمكن الحديث عن مجلس قوي وتجربة سياسية قادرة على التحسن المستمر بدلا من الدوران في المكان نفسه.
وفهم عضو المجلس لدوره يشكل نقطة ارتكاز في تقييم التجربة؛ فالكثير من الإشكالات لا تعود إلى نقص الصلاحيات؛ بل إلى ضعف استخدام ما هو متاح أصلًا، والعضو الذي يدخل بعقلية الخدمة الاجتماعية لا بعقلية المساءلة السياسية يفقد القدرة على ممارسة رقابة ذات قيمة، حتى لو سمحت له النصوص بذلك، بينما العضو الذي يفهم أن دوره يقوم على التحليل والمتابعة والضغط وصياغة البدائل، يستطيع ضمن الصلاحيات الحالية أن يصنع حضورًا مؤثرًا، والتجارب المُقارَنة تثبت أن الفارق بين عضو وآخر هو فارق وعي وكفاءة قبل أن يكون فارق أدوات.
أما أداء الحكومة في التمكين، فهو الجانب الذي يكشف مستوى الإرادة السياسية، فمن الطبيعي أن تتطلع الحكومات إلى تطوير منظومة التشريع والرقابة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يطرح السؤال: هل تُمنح المؤسسة المنتخبة أدوات مساءلة فعلية أم تبقى في مساحة رمزية لا تؤثر بعمق في القرار؟ المؤشرات المتراكمة توحي بوجود تطور محسوب، لكنه تطور حذر يحد من الأثر ويجعل العلاقة الحالية أقرب إلى علاقة تنظيم منها إلى علاقة شراكة؛ فالتمكين لا يتحقق بزيادة الجلسات والخطابات، بل بتوسيع قدرة المجلس على التأثير في السياسات واستدعاء المسؤولين بجدية ووضع التوصيات في مسار أكثر إلزاما من الاستشاري.
أما الوعي المجتمعي في الاختيار؛ فهو العامل الأكثر حسمًا رغم أنه الأقل تناولًا؛ فالمجلس انعكاس مباشر لمستوى الوعي السياسي لدى الناخب، وعندما يتجه التصويت نحو الخدمات الفردية أو الانتماءات أو العلاقات، فإن التجربة تفقد قوتها منذ اللحظة الأولى، ويُحرم المجلس من الكفاءات القادرة على توجيه مساره بينما يصنع المجتمع الواعي فرقا حقيقيا عندما يتعامل مع صوته باعتباره استثمارا في أربع سنوات ويمنح الأولوية للأداء لا للوجاهة.
وعلى ضوء هذه العناصر الثلاثة، تتضح الصورة بما يكفي للقول إنَّ التجربة ليست فاشلة، لكنها ليست بالقوة الممكنة والعضو ليس عاجزًا لكنه لا يستخدم أدواته كما ينبغي، والحكومة ليست رافضة للتمكين، لكنها لم تنتقل بعد من التطوير المحسوب إلى التمكين الكامل، والمجتمع ليس غائبا، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الاختيار الذي يبني مؤسسة لا أفرادًا.
إنَّ إصلاح التجربة ليس مسؤولية طرف واحد، بل هو جهد مشترك يقوم على عضو يدرك دوره، وحكومة تمنح الأدوات، ومجتمع يصوت بوعي. وعند تحقيق هذا التوازن يصبح المجلس شريكا فعليا في صناعة القرار، لا مجرد مساحة للتعبير أو النقاش. وعندها فقط تنتقل التجربة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفاعلية.
