أثر الفلسفة الهيثمية في إعادة صياغة الهوية العمرانية

 

 

 

عمر الكندي **

في عمق التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، يبرز نموذج عُماني فريد لا يكتفي بإعادة بناء المدن، بل يُعيد صياغة "مفهوم الدولة" في علاقتها بالمكان والإنسان، إنها ما يمكن تسميتها "الفلسفة السلطانية الهيثمية"؛ تلك الرؤية التي غرس بذرتها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- لتكون المحرك الوجداني والمادي لنهضة عُمان المتجددة.

ولم يكن القطاع العقاري في ظل هذه الفلسفة مجرد نشاط إنشائي، بل تحول إلى مرآة تعكس طموح القيادة في خلق وطنٍ لا يُسكن فيه فحسب، بل يُعاش فيه بأقصى درجات الاستدامة والرفاه.

ويمكننا قراءة أثر هذه الفلسفة على نمو المحافظ العقارية من خلال أربعة مرتكزات أساسية:

أولًا: فلسفة "الإنسان أولًا" وأنسنة الحجر تتجلى أولى ركائز الفلسفة الهيثمية في "أنسنة المدن"؛ حيث لم تعد المحافظ العقارية تبحث عن الربح السريع عبر كتل الأسمنت الصماء، بل أصبحت تستثمر في جودة الحياة. مشروع "مدينة السلطان هيثم" ليس مجرد توسع عمراني، بل هو تجسيد لبيئات ذكية تجمع بين الأصالة والحداثة. هذا التوجه أحدث نقلة نوعية في نمو المحافظ العقارية، حيث تحولت الاستثمارات نحو الأصول التي توفر الرفاه الصحي والتقني، مما جذب رؤوس أموال عالمية تبحث عن قيم مضافة تتجاوز المفهوم التقليدي للسكن.

ثانيًا: فلسفة المكان.. من المركزية إلى آفاق المحافظات، فقد أرسى جلالة السلطان المعظم فلسفة "اللامركزية" كنهج لإدارة الدولة، وهذا القرار السيادي كان له أثر مباشر على جغرافيا الاستثمار. وعبر تحويل المحافظات إلى وحدات اقتصادية مستقلة، نُفخت الروح في أراضٍ بكر واعدة. واليوم، نرى أثر هذه الفلسفة في نمو المحافظ العقارية في الدقم التي تحولت لمركز عالمي للطاقة، وفي صلالة كأيقونة للاستثمار السياحي المستدام. إن فلسفة جلالته تؤمن بأن كل شبر في عُمان هو "مركز"، مما ضاعف القيمة السوقية للأصول العقارية في مختلف أرجاء السلطنة.

ثالثًا: فلسفة الاستدامة.. الاستثمار لأجل الأجيال؛ إذ تعتمد الفلسفة الهيثمية على مبدأ "الاستدامة" كضرورة حتمية، وبموجب هذا الفكر، شهدت المحافظ العقارية تحولًا راديكاليًا نحو المشاريع الصديقة للبيئة. المحافظ التي تبنت معايير الاستدامة هي اليوم الأكثر استقرارًا ونموًا، مدفوعةً بتشريعات تحمي الموارد الوطنية وتكافئ الابتكار الأخضر. إنها فلسفة "الادخار للمستقبل"، حيث يُنظر للعقار كأصل وطني ينمو للأجيال القادمة، بعيدًا عن منطق المضاربات الآنية.

رابعًا: الثقة كـ"عمارة معنوية" وشفافية الأداء. فقد أدركت القيادة الحكيمة أن "الحجر لا ينمو بلا ثقة"؛ لذا كانت الرقمنة ومحاربة البيروقراطية هي الجسر الرابط بين المستثمر والدولة. إن تحديث قوانين التملك، ومنح "إقامة مستثمر"، وتفعيل منصات مثل "أملاك"، كلها أدوات نبعت من فلسفة تؤمن بالانفتاح المدروس. هذا الأمان التشريعي جعل المحافظ العقارية العُمانية تتسم بنمو مؤسسي رصين، مبني على أسس اقتصادية حقيقية وبعيد عن الفقاعات العقارية.

ختامًا.. إنَّ أثر الفلسفة السلطانية الهيثمية في تعزيز نمو المحافظ العقارية هو في جوهره قصة إيمان بالمستقبل. لقد استطاع جلالته أن يزرع في قلب المستثمر، قبل الحجر، يقينًا بأن عُمان هي أرض الفرص المستقرة. نحن لا نشهد اليوم نموًا في الأرقام والمباني فحسب، بل نشهد ولادة "هوية عمرانية" جديدة، ترفع هامة عُمان عاليًا في سماء التطور العالمي، لتظل السلطنة دومًا واحة للأمن، ومنارة للازدهار، ومقصدًا لكل طامح في حياة كريمة ومستدامة.

** باحث مستقل مختص في الشأن العقاري والاقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z