"ليالي مسقط" عند البوابة!

هيثم نافل والي

ليس بالإيمان يتطهر الجسد؛ بل بالمعرفة!

سمعنا كثيرًا عن فعاليات "ليالي مسقط" وما تُقدِّمه للزائرين على اختلاف تنوعهم، فتشوقنا لنكون من الزائرين وكلنا فرحة بأننا سنُحقق إحدى أحلامنا المؤجلة ونحن نزور مسقط كاستثمار وسياحة. ولكن في بوابة الليالي كانت هناك تنتظرنا المفاجأة التي لم نتوقع حدوثها إطلاقًا في مكان ومناسبة كبيرة كهذه.

أوقفنا السيارة في المواقف كيفما اتفق لصغر مكان مواقف السيارات.. أخذ منَّا ذلك نصف ساعة قبل أن نترجل منها! هذا يجعلنا بسخاء نردد على أنفسنا بصمت: الواقع الحقيقي لا نجده إلا في الأحلام.. هذا ما دار في خلدنا وقتها.

ما علينا.. اشترينا تذاكر الدخول والحقيقة تُقال كان السعر زهيدًا جدًا لا يذكر لقاء مهرجان سمعته كانت كسمعة الياسمين.. فغمرنا شعور بالرضا وبدأنا نتوجه للبوابة التي هي قلب حديثنا الذي عانينا منه، وسنعاني في وصفه وشرحه في مقالنا المنحوس هذا الذي لا أتوقع منه خيرًا لجرأته، وربما لصراحته ومصداقيته التي لا نسعى من خلالها إلا التقدم والازدهار للسلطنة كدولة، شعب، وحكومة دون استثناء.

رجعنا لحظتها إلى نقطة الصفر التي هي جوهر فلسفتنا: لا تغسل الروح إلا دموع الصمت ووحدة التأمل!

عند البوابة كانت هناك فرقتان: واحدة للحمايات، وأخرى للشرطة. لحد اللحظة كانت "الأمور طيبة" كما يقولها العُماني تحت كل الظروف! وهنا تكمن الخطورة في هذه الجملة. فهناك أمور تحدث ليست طيبة ويتوجب مُواجهتها وعلاجها قبل أن تستفحل وتتحول إلى أمراض مُزمنة (أبعدكم الله عنها) يصعب مُعالجتها إلّا الكي بالنار!

استوقفنا رجل من الشرطة يعترض طريقنا.. فكرنا من الوهلة الأولى بأنه يود فحص تذاكر دخولنا.. لكن اعتقادنا كان خائبًا، ساذجًا، عاريًا من الصحة! استغربنا وقوفه الذي طال وهو يعترض طريق دخولنا، ولا نعرف سبب يجعله يعترضنا.. فبادرناه بالسؤال:

- هل هناك مشكلة؟!

- نعم!

تفاجأنا من رده، وبدأنا ننظر لبعضنا البعض دون أن نفهم.. فحاولنا ألا نُبيِّن استغرابنا كي لا يكون مُستفَزًا بعد أن ضبطنا صبرنا على درجة عالية من البرودة كي نتحمل ما سيحدث من أمور طيبة كالعادة! فقلنا محاولين رسم الجدية على وجوهنا قبل أن تتبخر فرحتنا التي بدأت بالزوال ونحن ننتظر رحمة الرب ثم قرار الشرطي! والنَّاس من حولنا يتجمعون كأننا في زفة عُرس غير مُعلن يبغون الدخول ونحن بوقوفنا ذاك نمنعهم. فتأزَّم الموقف فجأة وبدأت همهمات ترتفع وتدافع يحصل وزحام يتراكم، والشرطي ما زال واقفًا أمامنا يمنعنا من الدخول حتى حنَّ علينا القدر فنطق موضحًا ببرود يحرق الأعصاب:

- لا يمكنكم الدخول هكذا!

بصوت واحد دون اتفاق مسبق أعلنا:

- لماذا؟

توجه نظره نحو الأب الذي يصطحب العائلة قائلًا:

- كونك ترتدي البنطال القصير! ثم وسع مساحة ملاحظاته وهو يسلط نظره بإحكام على رقبة الأب، فتابع بنبرة أعلى من سابقتها: وهذه أيضًا والتي في يدك كذلك.. ثم عرَّج يواجه الأم مواصلاً خطاباته التي كان واثقًا من التصريح بها: بنطالك القصير هذا الذي ترتديه وعلى مقاس بنطال زوجك لا يسمح لك بالدخول وأنت على هذا النحو.. ثم تراجع خطوة إلى الوراء بعد أن أدلى بقراراته وكأنَّه لم يفعل شيئًا.

اتجه الأب إليه بعد أن وجد نفسه ملتزمًا للدفاع عن حقوقهم، بهدوء لا يمتلكه ميت:

- اشترينا التذاكر بعد أن سمعنا بفعاليات المهرجان وما يُقدمه للكبار والأطفال على حد سواء، فرحتنا التي بدأت تتلاشى ويحل محلها نوع من الاستنكار لما ذكرته وها أنا سأتحدث معك بالمنطق:

نحكم على مجتمع بالرقي عندما نرى أطفاله بملابس الرجال، والرجال سعداء كالأطفال! واصلت دون تشوف: أنتم سمحتم لنا بالاستثمار، فتحتم لنا بيتكم الذي هو وطنكم ورحبتم بنا كسياح قادمين من أوروبا، من بلاد باردة، نهرب من البرد لنستجم في السلطنة لجوها الحار الذي نسعى إليه، نلبس ما يتناسب مع هذه الجواء ولا نفكر إطلاقًا بأننا نتجاوز القانون، أو نستفِّز أحدهم، أو نغري شخصًا ما.. نحن لا نفكر بهذه الطريقة الساذجة التي لا تغني ولا تشبع. نأتي للسلطنة لطيبة شعبها، لنسبة الأمان العالية المتوفرة، لكن، من حقي أن أسأل، لمن يسيء البنطال القصير؟

معنا أولادنا ونرغب بمشاركتكم فرحتكم، وسعادتكم. ثم وقتما نخطئ بحق إنسان أو ممتلكات- لا سمح الله- يمكنك أن تديننا ونتعرض للمحاسبة، هذا ما تقوله كل الأديان، الوصايا العشرة. عندما تتمسك بأخلاقها فأنت مُؤمن. وما دمنا لم نتعرض بسوء لتلك فلم نأت بخطيئة تحاسبنا عليها وتمنعنا من المشاركة التي لو حجمتها بحجج واهية كالتي ذكرتها فإنك تُعرِّض سمعة السياحة والاستثمار للخطر، وقبل أن ينتهي الأب من تصريحاته النارية التي نسي نفسه وقتها تذكر الأسباب الأخرى التي تمنعه من الدخول لو كان يرتديها (سوار اليد، وسلسلة الرقبة) فتابع بعد أن علت ابتسامة غير بريئة على شفتيه:

- ما الذي يزعجكم ما أرتديه في رقبتي من سلسلة، وسوار في يدي؟ تؤثر تلك الأشياء على من؟ ما دخل تلك الأشياء في الدين والمُحافظة، والطقوس، والشريعة، والعادات وأشياء أخرى لا أعرف بعد ماذا؟! هذا يا سيدي مهرجان عام، في مكان مفتوح، فيه من مختلف الأجناس والهدف بكل تأكيد سمعة السلطنة قبل كل شيء.. وأنتم بتصرفكم هذا تسيئون لتلك السمعة التي نحافظ عليها جميعنا.. فلم ينطق الشرطي إلا بجملة واحدة يتيمة:

- ممنوع. لن تدخلوا وأنتم بهذا الشكل، ثم سكت لا يطرف له رمش.

بدأنا نغلي لموقفنا الذي لا يسُر.. لا نعرف كيف نتصرف في لحظات طال زمنها وأصبحت كالدهر بوقفتنا غير المرغوبة تلك؛ فشعر الأب بشخص يسحبه من الخلف وهو يومئ له بأن يتبعه!

استغرب الأب وقتها، شعر بالارتباك، وبالخوف قليلًا. أشَّر لعائلته بأن يتبعونه بعد أن فشل بإقناع الشرطي وهناك من يُوجهه كي يتبعه.

على بعد أمتار من البوابة فهم الأب بأنَّه أمام رجل من الحمايات، عرف ذلك من ملبسه، فبادره الأخير قائلًا:

- أنا سمعت كل شيء. تابع بذات الرنة المتزنة، وبجدية خالصة لم يتوقعها تأتي من رجل يعمل بالحمايات: أنا لا أومن بما قاله لك الشرطي، ولو بقينا نُفكر بهذه الطريقة ونمنع الأجانب من مشاركتنا برامجنا الترفيهية سنبعدهم، سنقول لهم بأننا أناس نختلف عنكم، لا نواكب تحضُّركم، وما نسعى إليه العكس تمامًا. ولو نظرنا إلى دول خليجية أخرى لن نجد هذه الأمور حاضرة في مناسبات مُشابهة وعليه سأدخلكم من بوابة مطعم زوادة دون أن يمنع دخولكم أحد.. ثم صاح بفرح كالطفل:

هيا.. ماذا تنتظرون.. تذاكركم في يدكم، تمتعوا بوقتكم.. دخلنا دون أن نصدق بأننا سندخل رغم سلسة الرقبة التي كانت في رقبة الأب، ورغم سواره الذي صنعته زوجته بنفسها في عيد ميلاده الستين، ورغم بنطاله الذي يشبه بنطال زوجته القصير ينظرون لرجل الحمايات الذي كان شابًا وسيمًا، نظيفًا، رقيقًا كأحد القديسين وهم يشعرون بالامتنان لما قدَّمه لهم من معونة كالإضافة الجميلة الرصينة لسمعة سلطنة عُمان وطريقها المتجه نحو جذب السياح وزيادة رقعة الاستثمار ربما دون أن يشعر هو نفسه بأنه قدَّم لوطنه تلك الخدمة!      

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z