محمد بن علي الرواحي
تشهد منصات التواصل الاجتماعي يوميًا تدفقًا هائلًا من المحتوى، ومع اتساع الانتشار تتنوع ردود الفعل بين الإعجاب والدعم من جهة، والاختلاف أو النقد من جهة أخرى، هذا التباين ليس استثناءً، بل سمة طبيعية لفضاءات مفتوحة يلتقي فيها أشخاص من خلفيات وثقافات وأذواق متعددة، ولكلٍ زاويته الخاصة في التلقي والتقييم.
في فضاءات التواصل المفتوحة، لا يمكن توقع الإجماع؛ فهذه المنصات ليست مجالس متشابهة الأذواق، بل مساحات واسعة تتقاطع فيها الخلفيات والثقافات والانطباعات السريعة، وكلما اتسع الانتشار، اتسعت معه دائرة الآراء، وظهر التباين بوضوح أكبر؛ لذلك فإن وجود تعليقات سلبية لا يعني بالضرورة خللًا في العمل، بل قد يكون نتيجة طبيعية للانتشار.
المهم هنا هو التمييز بين النقد والإساءة؛ فهناك من يقدّم ملاحظة موضوعية يمكن أن تثري التجربة وتطوّر الأداء، وهناك من يعبّر عن ذوق شخصي لا يلزم أحدًا، وهناك من يتجاوز حدود الرأي إلى الهجوم الشخصي، النقد يُستفاد منه، والاختلاف في الذوق يُحترم ويُترك، أما الإساءة فلا تستحق جدلًا ولا استنزافًا للمشاعر.
ومن أخطر ما يحدث أن نسمح لتعليق واحد سلبي أن يلغي في أذهاننا عشرات التعليقات الإيجابية؛ فالعقل بطبيعته يتشبث بما يزعجه، لكن الاتزان يقتضي أن نرى الصورة كاملة، النجاح الحقيقي لا يعني غياب النقد، بل القدرة على الاستمرار رغم وجوده.
كما أن الرد على التعليقات السلبية يحتاج وعيًا وانضباطًا؛ فالانفعال قد يحوّل ملاحظة عابرة إلى جدل طويل لا طائل منه، أحيانًا يكون الصمت أبلغ من أي رد، وأحيانًا يكفي تعليق مختصر وهادئ يضع النقاش في إطاره المهني دون تصعيد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: لماذا نُنشر أصلًا؟ لسنا ننشر لننال رضا الجميع، بل لنعبّر عن فكرة، أو نشارك تجربة، أو ننقل إحساسًا، حين نتذكر هذا الدافع الأول، يصبح النقد جزءًا من الرحلة لا عائقًا أمامها.
وسائل التواصل ليست ساحة حكم نهائي على القيمة، بل مساحة تعبير مفتوحة، من يختار أن يظهر للناس، يختار ضمنًا أن يسمع آراءهم، لكن الحكمة تكمن في الإصغاء دون أن نفقد أنفسنا، وفي التطور دون أن نهتز، وفي الاستمرار بثقة؛ لأن من لا يُنتقد لم يصل بعد.
