د. خالد بن علي الخوالدي
ونحن ندخل أيام شهر رمضان المبارك أود أن أبعث تحية محبة صادقة للجميع مفادها (رمضانكم خير وبركة)، وكل عام والجميع بخير وصحة وسلامة وعافية، ربي يبلغكم الشهر الكريم ويتقبله منكم، وفي عجالة سريعة أحب مشاركتكم مقالي لهذا الأسبوع عسى أن ينال على رضاكم.
دائمًا ما نسمع عبارات في منازلنا: شو نأكل؟ ما شيء أكل على الرغم من أن الثلاجة ممتلئة، وشو نلبس رغم أن الدولاب ما فيه مكان فاضي والملابس من كثرتها مخزنة في أكياس سوداء، ومع هذه الوفرة في السلع والموارد ولله الحمد والمنة إلا أنها لم تحقق السعادة والرضا، وأحدثت خللًا في مفاهيم القيمة والاحترام لما لدينا.
وعندما نقارن بين الجيل السابق والجيل الحالي، يظهر الفرق بشكل واضح في التوقعات والاحتياجات، كان الجيل السابق يعيش في حالة من القناعة بما هو متاح لهم، وفي بعض الأحيان كان ما هو متاح محدودًا جدًا، الثلاجة في المنزل كانت تحتوي على صنفين أو ثلاثة من الفواكه، وعندما كانت العائلة تتناول الطعام، كان ذلك يعد لحظة من الفرح والفرصة للاستمتاع بما تم تحصيله بعد عناء.
أما اليوم فنحن نرى الثلاجات ممتلئة بأنواع مختلفة من الفواكه والخضروات والمشروبات، ورغم ذلك نسمع الأطفال يسألون (ماذا نأكل اليوم)، رغم أن الخيارات لا حصر لها، إنها ظاهرة تزداد انتشارًا في مجتمعاتنا الحديثة حيث أصبح الاختيار المفرط والمتاح على مدار الساعة هو السمة السائدة، هذا التحول ليس مقتصرًا على الطعام فقط بل يشمل الملابس والألعاب والعديد من جوانب الحياة الأخرى، لدرجة أن رب الأسرة يدفع مئات الريالات لسياحة أولاده ثم يأتي الرد سريعًا (ما استمتعنا).
وقديمًا قيل من لم يتذوق طعم الحرمان لا يعرف قيمة النعمة، قد تكون أكثر وضوحًا اليوم من أي وقت مضى، ففي الماضي كان من الطبيعي أن يكون لدى الشخص عدد قليل من الملابس، وكان يخرج من المنزل بكل فخر وهو يرتدي ما يملك، فكانت الأشياء قليلة القيمة تعطي قيمة أكبر، الآن أصبح لدينا دولاب ملابس مزدحم بألوان وأحجام مختلفة، ومع ذلك نجد الكثيرين يواجهون صعوبة في اختيار ما يرتدون، ويظل السؤال (ماذا نلبس اليوم).
هذه الوفرة المفرطة أفقدت الأجيال الحالية قدرة التقدير لما لديهم، بدلًا من الشعور بالدهشة أمام جمال الطعام أو الملابس، أصبح كل شيء روتينيًا ومشاعرهما عابرة، لم يعد هناك إحساس خاص بالقيمة في تلك الأشياء، إذ تحولت إلى مجرد أشياء يمكن الحصول عليها بسهولة في أي وقت، ولم تعد الوفرة تحفز الإنسان للاستمتاع باللحظة أو تقدير النعمة بل على العكس أصبحت مصدرًا للتشتت، كنا في الماضي عندما نتذوق طعامًا كان يعد مكافأة في حد ذاته، أما اليوم فقد أصبح الطعام مجرد وسيلة للإشباع، دون إحساس حقيقي بالقيمة أو الرضا.
مع هذه الوفرة قد يكون من الضروري أن نعيد التذكير بقيم الحياة البسيطة، يمكن أن يكون ذلك من خلال تعليم الأجيال القادمة كيفية التقدير لما لديهم، والتواصل مع الماضي من خلال القصص والحكايات عن الزمن الذي كانت فيه الحياة أكثر قسوة لكن مليئة بالقيمة، فنحن بحاجة إلى أن نزرع فيهم شعور الامتنان، وأن نعلمهم كيف يفرحون بالأشياء الصغيرة التي كانت تعد نعمًا حقيقية في الماضي، ولابد من خلق توازن بين الوفرة والاعتراف بنعمة وجود ما نملك.
لذلك يعود دور الآباء والمعلمين والمجتمع ككل إلى بناء جسر بين الماضي والحاضر، وعلينا أن نعلم الأجيال القادمة أنه مهما كانت الموارد متوفرة، يبقى للنعمة والتقدير مكانها في حياتنا، ودمتم ودامت عمان بخير.
