رحلتي إلى الجبل الأخضر

 

 

 

محمد بن سلطان الساعدي

 

بدعوة كريمة من الصديق الأستاذ حاتم بن حمد الطائي رئيس تحرير جريدة الرؤية، شددنا الرحال إلى الجبل الأخضر، في زيارة حملت بين تفاصيلها الكثير من الدفء والدهشة.

انطلقنا منذ بداية الفجر، وكما يحلو له أن يطلق على نفسه "الفجري"، فهو عاشق الصباح بلا منازع. تجده دائمًا حاضرًا منذ أول الخيوط الضوئية، بنفس الابتسامة التي يستقبلك بها منذ أكثر من عشرين عامًا، وبروحه المرحة التي لا تفارقه. رجل يبث التفاؤل أينما حلّ، وإن لاحظ عليك شيئًا من التعب أو الضيق، سارع إلى زرع الأمل في داخلك، وكأنه يمتلك قدرة فطرية على إعادة الروح إلى القلوب.

حاتم من أولئك الأشخاص المُقبلين على الحياة بروح عالية، مُحفِّز لمن حوله، يذكّرك دائمًا أنَّ الأيام لا تُنتظر؛ بل تُعاش. ما زلت أحتفظ بجملة قالها لي ذات نقاش، سجلتها فورًا في هاتفي: "لازم تقاتل عشان تعيش؛ فالموت هو آخر الفصول المسرحية في مسرحية الحياة". في نظره، لا ينبغي أن نضيّع ثانية واحدة فيما لا يستحق، لأنَّ الحياة قصيرة، وأجمل ما فيها أننا نملك حرية اختيار كيف نعيشها.

ومع أولى المنعطفات المؤدية إلى الجبل الأخضر، بدأت الطبيعة تفرض حضورها. الطريق المعبد بإتقان، والمناظر التي تتغير تدريجيًا من السهول إلى المرتفعات، ثم ذلك الهواء البارد المنعش الذي يستقبلك وكأنه رسالة ترحيب صامتة. هنا تدرك أنك على موعد مع مكان استثنائي.

الجبل الأخضر اليوم ليس مجرد مقصد سياحي؛ بل تجربة متكاملة. تطور ملحوظ في البنية الأساسية، طرق حديثة وآمنة، لوحات إرشادية واضحة، خدمات متوفرة، ومرافق تلبي احتياجات الزائر والمقيم على حد سواء. الفنادق والمنتجعات المنتشرة في أرجائه تقدم مستوى راقيًا من الضيافة، يجمع بين الفخامة والخصوصية، بينما تحافظ القرى الجبلية على طابعها الأصيل، في مزيج جميل بين الحداثة والتراث.

ما يميز الجبل الأخضر حقًا هو تنوعه؛ من المدرجات الزراعية التي تحتضن الرمان والورد والفاكهة الموسمية، إلى المسارات الجبلية لعشاق المشي والتأمل، وصولًا إلى الإطلالات البانورامية التي تجعلك تقف صامتًا أمام عظمة الخالق. كل زاوية هنا تحكي قصة، وكل نسمة هواء تحمل معها سلامًا داخليًا نادرًا.

وفي هذا السياق، برز خلال الزيارة التطور الواضح في زراعة الزيتون بمختلف أنواعه؛ حيث شهد هذا القطاع توسعًا ملحوظًا خلال السنوات العشر الماضية، مدفوعًا بملاءمة المناخ الجبلي وارتفاع وعي المزارعين بقيمته الاقتصادية. وأصبحت أشجار الزيتون اليوم مشهدًا مألوفًا أمام كثير من المنازل، في مؤشر على انتقالها من زراعة محدودة إلى محصول شبه أساسي في المنطقة. ويُخصص جزء من الإنتاج لعصر زيت الزيتون محليًا، فيما يُستخدم الجزء الآخر للتخليل والاستهلاك المباشر. وبحسب ما رصده المزارعون، تحسنت جودة الزيتون خلال السنوات الأخيرة من حيث حجم الثمرة ونسبة الزيت، ما أسهم في رفع القيمة السوقية للمنتج المحلي، وجعله قادرًا على منافسة بعض الأصناف العالمية، خاصة مع اعتماد أساليب زراعية أكثر تنظيمًا وتطوير أنظمة الري والعناية بالأشجار. ويعكس هذا التوسع توجهًا اقتصاديًا مُتناميًا نحو اختيار محاصيل ذات مردود مستدام وربط الإنتاج بالاستهلاك المحلي والسياحة الزراعية.

وكم كُنت سعيدًا بزيارة مزرعة "بهجة الجبل" لصاحبها الشيخ عبدالله الريامي، التي تقع في سيح قطنة، وقد استمعتُ لتفاصيل مهمة وثرية عن زراعة الزيتون، وكيف فاز زيت الزيتون العُماني المزروع في الجبل الأخضر بالعديد من الجوائز العالمية، بفضل جودته العالية. ومما أبهجني أكثر أنه يحمل علامة تجارية مسجلة بملكية فكرية عُمانية 100%، باسم منتج "جرين" وتعني الأخضر، في إشارة إلى الجبل الأخضر، وتُعزى جودة هذا الزيت إلى العناية الفائقة التي يوفرها المزارع العُماني، من ناحية الري وجودة التربة والحماية من الآفات.

كما إن الخدمات السياحية تطورت بشكل لافت في الجبل الأخضر، من مطاعم تقدم أطباقًا محلية وعالمية، إلى مرشدين سياحيين يعرفون تفاصيل المكان، وأسواق صغيرة تعرض منتجات أهل الجبل من عسل وماء ورد وأعشاب طبيعية. حتى التفاصيل البسيطة، كأماكن الجلوس ونقاط التصوير، أصبحت مدروسة بعناية لتمنح الزائر تجربة مريحة وممتعة.

وخلال جولتنا، لمست عن قرب الجهد الكبير المبذول في تطوير المنطقة، مع الحفاظ على هويتها البيئية. مشاريع مدروسة، واهتمام واضح بالاستدامة، واحترام للطبيعة التي تشكل روح الجبل الأخضر.

رحلتي إلى الجبل الأخضر لم تكن مجرد زيارة، بل كانت استراحة للروح، وتجديدًا للطاقة، وتذكيرًا جميلًا بأن في عمان أماكن قادرة على أن تعيد ترتيب داخلك بهدوء. أما رفقة الأستاذ حاتم، فقد أضفت على الرحلة بعدًا إنسانيًا خاصًا، حيث امتزج جمال المكان بصدق الصحبة، فكانت الذكرى أعمق وأبقى.

الجبل الأخضر سيظل واحدًا من أجمل كنوز السياحة العُمانية، ومثالًا حيًا على كيف يمكن للتطوير أن يسير جنبًا إلى جنب مع الأصالة، ليصنع وجهة تجمع بين الزراعة والسياحة، وتفتح آفاقًا اقتصادية متنامية لأبناء المنطقة، وتبقى جديرة بالزيارة مرة بعد مرة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z