حيدر بن عبدالرضا اللواتي
حتى سنوات قليلة مضت، لم تكن ثقافة الضرائب مُستوعَبة لدى الكثير من أبناء عُمان، بالرغم من أنهم يدفعون مختلف أنواع تلك الضرائب والرسوم في المؤسسات الحكومية لإنجاز أعمالهم اليومية وللحصول على الخدمات الضرورية للعيش والاستمرارية في الحياة.
اليوم يُعد موضوع ثقافة الضرائب من المواضيع المُهمة في إطار التحولات الاقتصادية التي يعيشها الفرد العُماني؛ سواء على مستوى الحكومة أو المجتمع. وحتى وقت قريب، كانت سلطنة عُمان من الدول التي لم يكن في البال أن تفرض ضريبة دخل على الأفراد كما هو شائع في كثير من دول العالم؛ باعتبارها من المناطق الغنية في الخليج والمعفاة نسبيًا من الضرائب على الأفراد. ولكن خلال العقد الحالي بدأت الحكومة فرض ضرائب غير مباشرة على المواطنين والوافدين مثل ضريبة القيمة المضافة (VAT) بنسبة 5% بجانب فرض الرسوم على الشركات التجارية وبنسبة 15% من الأرباح التي تحققها في أعمالها التجارية.
أما التغيير القادم فيكمُن في فرض ضريبة دخل شخصية بنسبة 5% على الأفراد الذين يتجاوز دخلهم السنوي 42000 ريال عُماني (أي ما يعادل 109000 دولار)؛ اعتبارًا من بداية عام 2028. وهذه الضريبة لن تشمل الغالبية العظمى من السكان؛ لأنها تستهدف شرائح الدخل الأعلى فقط. وبذلك تكون سلطنة عُمان أول دولة بين دول مجلس التعاون الخليجي تعلن عن فرض ضريبة دخل شخصية، الأمر الذي يعد تحولًا كبيرًا في السياسات المالية في المنطقة.
واستعرض جهاز الضّرائب خلال لقائه الإعلامي الأوّل مؤخرًا، بعض الإنجازات التي حقّقها الجهاز خلال العام الماضي 2025، خاصة ما يتعلق بأهمّ بمؤشّرات الإيرادات الضريبيّة. وقد أشار معالي ناصر بن خميس الجسمي رئيس جهاز الضّرائب إلى الكثير من التطورات التي شهدها الجهاز في هذا المجال، مؤكدًا في حديثة بأن الضَّرائب تعد ركيزةٌ أساسيّةٌ من ركائز الاستدامة الماليّة، ومهمة لتوفير الموارد اللازمة للحكومات في تمويل الخدمات العامّة ودعم مسيرة التّنمية الشّاملة ومواجهة المتغيّرات الاقتصاديّة العالميّة، بجانب حديثه عن الحصيلة التي وردت إلى خزينة البلاد من القيمة المضافة.
إن تقديرات الإيرادات الجارية لوحدات الجهاز الإداري للدّولة بالميزانيّة العامّة للدّولة للعام 2025 تقدّر بحوالي 1.373 مليار ريال عُماني. وهو مبلغ معتبر يمكن من خلاله تعزيز النمو الاقتصادي للبلاد من خلال إقامة مشاريع اقتصادية وصناعية جديدة في البلاد، وتوفير مزيد من الاعمال للعُمانيين. والجهاز متابع لجميع الاقرارات الضريبية لزيادة هذا البند في السنوات المقبلة، ولكن يجب أن تفرض هذه الضرائب على المؤسسات والاشخاص النشطين في مؤسساتهم وأعمالهم التجارية، والذين يحققون الارباح والمنافع الايجابية، وليس على الذين يعانون من الديون والتعثرات التجارية. وقد كشف المسؤولون في الجهاز أن الإيرادات الضريبية لعام 2025 تمثلت في 658 مليون ريال عُماني في إيرادات ضريبة الدخل، و631 مليون ريال عُماني لضريبة القيمة المضافة، و84 مليون ريال عُماني للضريبة الانتقائية، وهذه المبالغ تُعد ثروة مالية جيدة في إطار الاهتمام الحكومي بتنويع مصادر الدخل، إلّا أنها يجب أن تفرض على المؤسسات المربحة وليس على الاشخاص العادين. فعلى سبيل المثال، ضريبة القيمة المضافة يدفعها المستهلك في نهاية المطاف، وليس صاحب المؤسسة التجارية، وبالتالي فإن ذلك يعمل على زيادة التضخم في الاسعار، خاصة على كاهل أصحاب الدخل المحدود. واليوم فان المستهلك يدفع قيمة المنتج بجانب القيمة المضافة، خاصةً بعد أن يتفق على سعر معين للمنتج، إلّا أنه يُفاجأ بأن صاحب المؤسسة يفرض عليه القيمة المضافة؛ لأنه لا يتحمل هذا المبلغ. والمفروض أن تكون هناك قيمة واحدة للمنتج. وهذا ما يجب إعادة النظر فيه بعين الاعتبار ومتابعته من قبل هيئة حماية المستهلك.
الأجهزة الحكومية مستمرة في توعية الأفراد والناس بثقافة الضرائب بهذا الشأن. وهذا يتحقق من خلال قيام الجهاز بتنظيم برامج وورش عمل وحملات إعلامية لتوعية الناس بقوانين الضرائب وكيفية الامتثال لها، تنظيم ندوات تعليمية في الجامعات بهذا الشأن. وهذا يؤكد بأن الوعي الضريبي ما زال ضعيفًا في المجتمع ويحتاج إلى مزيد من العمل لتنظيمه.
وبشكل عام.. فإن الوعي الضريبي لدى الأفراد والعاملين في السوق العُماني في تطور مستمر، لكنه ليس على مستوى عالٍ حتى الآن، لأن الضرائب على الدخل لم تكن جزءًا من الحياة الاقتصادية اليومية للعُمانيين لفترة طويلة، وهناك حاجة لمزيد من التعليم والتواصل بين الدولة والمواطنين لشرح هذا البند وتعزيز العمل بالتوعية والتثقيف؛ حيث إن التغيير الثقافي يحتاج إلى مزيد من الوقت، خاصة ونحن مقبلون في ظرف أقل من سنتين على إدخال ضريبة الدخل لأول مرة في البلاد؛ فأنظمة الضرائب حديثة في نظر الكثير وغير معتادة في الثقافة الاقتصادية المحلية.
