حيدر بن عبدالرضا اللواتي
سبقت سلطنة عُمان العديد من الدول في المنطقة في مجال توزيع قطع الأراضي الفضاء على المُواطنين لمُختلف الأغراض السكنية والتجارية والصناعية والسياحية بسعر مخفض؛ حيث بدأت عملية توزيع الأراضي منذ بداية النهضة المُباركة في عهد السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- في السبعينيات من القرن الماضي، واستمرت حتى الآونة الأخيرة في العهد المتجدد لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- عندما صدرت بعض القرارات من أجل تمكين المواطنين من الحصول على قطعة أرض، وخاصةً في محافظة مسقط.
وخلال العقود السابقة، تمكَّن بعض التجار والمقتدرين ماليًا من امتلاك أكثر من قطعة أرض ولمختلف الأغراض، إلّا أن تلك الأراضي بقيت دون استخدام؛ الأمر الذي دفع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني إلى إعادة النظر في منح مثل تلك الأراضي بغرض تحقيق العدالة في فُرص الحصول عليها، وخاصة بمحافظة مسقط. وأدى ذلك إلى إعادة النظر في حق الامتلاك المجاني والعمل بمبدأ "حق الانتفاع"، الذي يُعد أكثر عدالة واستدامة للأرض. والهدف من ذلك استغلال الأراضي المُتاحة لدى بعض المواطنين الذين حصلوا عليها للانتفاع، ولم يتمكنوا من استخدامها بصورة إيجابية منذ عدة عقود مضت، وكذلك لتعزيز العدالة بين الأجيال الحالية، وليكون لذلك الأثر التنموي من الناحية الاقتصادية والبيئية والمجتمعية على المواطنين.
إنَّ الرؤية المستقبلية لتوزيع الأراضي بنظام الانتفاع تتماشى مع التوجهات التنموية الوطنية في إطار رؤية "عُمان 2040" بغرض الاستدامة، وتحقيق التنمية المتوازنة بين المحافظات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد. كما إن التحوّل التدريجي من التملّك المجاني إلى نظام الانتفاع يُعد أمرًا منظمًا وعادلًا للمواطنين، ولا يعني حرمان المواطن من حقه في السكن أو الاستثمار؛ بل يضمن أن تكون الأرض وسيلة للإنتاج والتنمية لا أداةً للاحتكار أو الجمود. لذا فإنَّ عدالة توزيع الأراضي بين مسقط والمحافظات الأخرى في السلطنة، ليست مجرد قضية إدارية؛ بل إنها مسألة تنموية تمَس الاقتصاد والبيئة والمجتمع. ويُعد حق الانتفاع نموذجًا أكثر توازنًا واستدامةً؛ لأنه يحفظ ملكية الدولة للموارد، ويضمن الاستخدام الأمثل، ويُعزِّز العدالة بين الأجيال، ويدعم تنمية المحافظات بشكل متكافئ، ويحقق تنمية شاملة ومستدامة في البلاد.
وكما هو معروف، فإنَّ قطعة الأرض في أي مكان تُشكّل موردًا محدودًا وأحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية لدى الدول؛ ففي محافظة مسقط، تتمركز الكثافة السكانية وكذلك الأنشطة الاقتصادية في هذه المحافظة أكثر من غيرها من المحافظات الأخرى؛ الأمر الذي يؤدّي إلى بروز مسألة عدالة التوزيع ليحصل المواطن المحتاج على الأرض. ومن هنا تبرُز مسألة حقّ الانتفاع كأداةٍ أكثر عدالةً واستدامةً مُقارنةً بنظام التملُّك؛ لأنَّ مسقط تُعد القلب الإداري والاقتصادي للسلطنة، وتستقطب الاستثمارات والخدمات والوظائف؛ ما يرفع الطلب على الأراضي السكنية والتجارية والصناعية فيها. وهذا يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأراضي في بعض المناطق، بجانب صعوبة حصول الشباب عليها، فيما يحتكر البعض تلك الأراضي غير المُستغلة في مناطق حيوية، ويتسبب في بُطء التنمية في بعض المحافظات نتيجة ضعف الحوافز الاستثمارية.
لكن مع قيام الجهات المعنية بتنظيم مسألة حقّ الانتفاع، فإنَّ الأمر يكون أكثر عدالة من التملّك المجاني؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى منع الاحتكار ويُحفِّز على الاستخدام الفعلي للأراضي؛ إذ إن حق الانتفاع يضمن ضرورة استغلال الأرض في الغرض المخصص لها. وعندما تبقى ملكية الأرض للدولة ويُمنح حق الانتفاع لفترات محددة، فإنِّه يمكن إعادة تخصيصها لاحقًا لمستفيدين آخرين، مما يُوسِّع قاعدة المستفيدين ويُعزِّز العدالة المجتمعية، ويمنح قدرةً أكبر على إعادة توجيه استخدام الأراضي وفق الخطط التنموية؛ سواء داخل مسقط أو في المدن الناشئة بالمحافظات. كما يحقق الانتفاع توازنًا بين حق الجيل الحالي في التنمية وحق الأجيال القادمة في الموارد، من خلال الحفاظ على ملكية الدولة للأراضي الاستراتيجية، وتمكين إعادة التخطيط والتطوير عند انتهاء مدة الانتفاع، إضافة إلى الحد من المضاربات العقارية التي ترفع الأسعار دون قيمة مضافة حقيقية.
وأخيرًا.. هناك العديد من الآثار الايجابية على عملية التنمية من خلال توزيع الاراضي لغرض الانتفاع تشمل الاثار الاقتصادية والبيئية والمجتمعية، وتعزيز بناء المشاريع في القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية وغيرها، بجانب تخفيف الضغط على سوق العقار في مسقط عبر تشجيع انتقال الأنشطة الاقتصادية إلى مناطق أخرى. كما إن لذلك أثرًا على المستوى البيئي والمستوى المجتمعي في تعزيز الاستقرار الأُسري، عبر إتاحة فرص سكنية عادلة في مختلف المحافظات، ويعمل على تقليل الهجرة الداخلية المفرطة إلى العاصمة، إضافة إلى دعم مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين بغض النظر عن موقع إقامتهم.
