خالد الكندي
لم يكن القصص القرآني مادة للسرد التاريخي بهدف اللهو والترويح النفسي، إنما خطاب حضاري موجه ومقصود وهادف يوقظ الضمير الإنساني ويستنهض فيه الوعي والإدراك القيمي والبصيرة الأخلاقية، ويقيم أمام الإنسان مرآة كبرى يرى فيها صورة مصيره، إنْ هو سلك مسالك السابقين وجرى في مضمارهم واستنسخ تجاربهم وقدم للنتائج ما تطلبه من المقدمات الصادقة.
الخطاب القرآني يريد منَّا أن نتعلم السنن الكونية والمآلات المصيرية عندما يعاد إنتاج أخطاء السابقين.
وليس عبثًا أن تكون أول خصومة عائلية في تاريخ الإنسانية يذكرها لنا القرآن الكريم هي بين أخوين اثنين ابني آدم عليه السلام، لتكون هي أول نموذج لانكسار الرابطة الأسرية ويمثل خطرًا وجوديًا للعائلة، وكأنها إشارة إلى جذر أولي لمبدأ التحاسد والتباغض، وأن بذور التخاصم كامنة في النفس الإنسانية منذ بدء الخليقة. كما لم تكن خصومة إخوة يوسف ليوسف أبناء نبي الله يعقوب إلا امتدادًا لتلك الحكمة القرآنية، وتأكيدًا على أن وهم العصمة والحصانة الاجتماعية باطل، فكون المرء ابن نبي لا يجعله بمنأى من الانزلاق إلى أمراض نفسية وأخلاقية قد تنتهي به إلى إجرام وجودي يُهدد أصل الاجتماع الإنساني قبل أن يهدد وظائفه.
وتعد مسيرة الإنسان في حياته أكثر من مجرد تعاقب للأيام أو حصادا لأرقام العمر المتقدمة، فهي نسج تراكمي من المواقف والتضحيات، والصفحات المضيئة بالعطاء والبذل والفداء والوفاء، وذكريات مجيدة لصناعات في محيطه لرصيد من المآثر، غير أن المأساة حينما تختزل تلك السيرة الطويلة في موقف اختلاف أو حادثة لم توافق سياقًا يطلبه الآخرون، فيتحول الأخ إلى خصم يُسقط أخلاقيًا وتحشد ضده الآراء ويُصنع ضده إجماع زائف يمتد أثره إلى إشراك الصغار في مسرح الخصومة، وتوجيههم نفسيًا وعاطفيًا ليكونوا أدوات في حسابات الكبار.
هنا لا نكون أمام خلاف عائلي عابر بقدر ما هي جريمة تربوية وعملية تخريب طويلة الأمد، فإنَّ توريث الصغار تلك الخصومات إنما يزرع في نفوسهم الناشئة تصورات مشوهة عن مفهوم العائلة يُهدد بنية أسرهم المستقبلية وبالتالي مجتمعهم القادم، فإنَّ هدم النواة الأولى للاجتماع وهي الأسرة وثم العائلة لا يمكن أن ينتج إلا هشاشة أخلاقية تحكمها الاصطفافات الظرفية بدل الروابط الأصيلة والولاءات المرحلية بدل القيم النبيلة، فلا يعود ذلك الجيل الجديد مؤهلًا لامتداد أسري متماسك أو عائلي مترابط يهتدي بقيم الدين وقواعده المنظمة للاجتماع الإنساني.
إن المحافظة على مبادئ العدالة الاجتماعية والقيم النبيلة في الوسط العائلي ليس ترفًا أخلاقيًا؛ بل شرط للبقاء في مستويات الاجتماع الآمن والصحيح، كما أن الاختلاف لا يكون في أي لحظة مسوغًا لهدم البناء الاجتماعي أو رخصة للإلغاء أو الإقصاء، بل هو اختبار صادق لمستويات النضج والحكمة والرشاد، وهذا ما ينبغي أن تحصل عليه منا الأجيال لا المال والنفوذ أو السرديات المتحيزة.
أجيالنا تنتظر منَّا تقديم نموذج إنساني يرى في الاختلاف فرصة لمزيد من الفهم والاستيعاب، وبأن للرحم قداسة وحرمة لا ينبغي أن تكسر تحت أي ظرف، وأن القريب إنسان يجب أن يصان مهما تعددت أشكال الاختلاف معه.
