د. إبراهيم بن سالم السيابي
مرّ عليّ مُؤخرًا موقف إنساني بسيط في شكله، عميق في أثره. صاحب محل حلاقة، شاب عربي مُسلم، اغترب مع أسرته بحثًا عن لقمة عيش كريمة، فإذا به اليوم عاجزًا حتى عن سداد إيجار المسكن الذي يأويه وأطفاله. لا يشكو ولا يرفع صوته، لكن ملامحه تحكي وجع غربة أثقلها الضيق، وجعلت العمل وحده غير كافٍ للحياة.
ولأنَّ هؤلاء العرب من دمنا ولحمنا، قريبون منَّا، ويشاركوننا الدين واللغة والثقافة، فإن دعمهم والمعاملة بالمعروف واجب إنساني، قبل أن يكون مسألة اقتصادية.
هذا الشاب لم يأتِ طلبًا للرفاهية، بل جاء ليؤمّن أساسيات العيش، وليدّخر شيئًا للمستقبل. غير أن الواقع تغيّر؛ فبدل أن يفكر في الادخار، بات يفكّر كيف يوازن بين الإيجار والطعام، وبين احتياجات أسرته ودخلٍ لم يعد مستقرًا ولا مضمونًا.
قصة صاحب هذا المحل، الذي يمتهن الحلاقة باحتراف، ويقدّم خدمة عالية الجودة وبأسعار مناسبة، ليست حالة فردية، بل صورة مصغّرة لواقع أوسع. فضعف القوة الشرائية أصبح ملموسًا في الأسواق، والتاجر قبل المستهلك يشعر بأن الحركة لم تعد كما كانت. الناس لم تتوقف عن الشراء، لكنها باتت تشتري بحذر، تؤجّل، تختصر، وتعيد ترتيب أولوياتها.
ويعود ضعف القوة الشرائية إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد الالتزامات الأساسية للأسر، مقابل دخول لم تشهد نموًا موازيًا. كما أن الحذر الذي فرضته الأوضاع الاقتصادية العامة، وتغيّر أنماط الاستهلاك، جعلا الإنفاق أكثر تحفظًا، وهو ما انعكس مباشرة على الأنشطة الصغيرة اليومية التي تعتمد على المتلقي للخدمة او المشتري العادي لا على الطلب الكبير.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي أصاب تجارتنا؟ وهل المشكلة فقط في ضعف الطلب، أم في تضخم العرض؟
يكفي أن نتجول في أي شارع لنسأل: كم عدد الحلاقين في الشارع الواحد؟ وينطبق السؤال ذاته على أنشطة تجارية أخرى كثيرة. كم محلًا يفتح أبوابه لنشاط متشابه، في مساحة محدودة، دون دراسة واضحة لحاجة السوق أو قدرته على الاستيعاب؟ نلاحظ اليوم تكدسًا تجاريًا لافتًا؛ حيث يتكرر النشاط نفسه عشرات المرات، وكأن فتح المحلات أصبح غاية بحد ذاته، لا مشروعًا قائمًا على حاجة حقيقية أو قيمة مضافة.
هل هذا النمو في عدد الأنشطة يوازي النمو السكاني؟ أو النمو في الطلب؟ أم أننا أمام توسّع كمي لا يعكس طلبًا فعليًا؟ فعندما يزداد العرض بشكل غير مدروس، وتبقى القوة الشرائية محدودة، تتحول المنافسة إلى استنزاف، تُكسر فيه الأسعار، وتتآكل الأرباح، ويكون الأضعف هو أول من يدفع الثمن: العامل البسيط، وصاحب المشروع الصغير، والأسرة التي تعتمد على هذا الدخل.
ويتعقّد المشهد أكثر حين تغيب الرؤية المتكاملة لإدارة السوق؛ فكل جهة تؤدي دورها بشكل منفصل، بينما التجارة بطبيعتها منظومة واحدة، تحتاج إلى تنسيق حقيقي بين الترخيص والتنظيم والرقابة، ودراسة احتياجات السوق. فتح الأنشطة دون تقدير كافٍ للأثر لا يضر بالتاجر وحده؛ بل يخلخل التوازن العام، ويُضعف السوق على المدى البعيد.
ومن هنا، يصبح الحديث عن الحلول ضرورة لا مفرّ منها؛ فالسوق بحاجة إلى تنظيم يربط التوسع التجاري بالحاجة الفعلية، وإلى تشجيع التنوع بدل الاستنساخ، وإلى توجيه الأنشطة نحو الجودة والاستدامة لا الكثرة العددية. كما أن التكامل بين الجهات المعنية كفيل بأن يخفف من التكدس، ويحمي المشاريع الصغيرة، ويمنح السوق قدرة أكبر على التعافي والاستقرار.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال ما تقوم به الجهات المعنية من جهود لتنظيم السوق ودعم روّاد الأعمال، ولا الحوافز التي تُقدَّم لأصحاب المشاريع الصغيرة، والتي يُعوَّل عليها في تنشيط الاقتصاد وخلق فرص الاستقرار والعمل. هذه المبادرات تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، وتعكس وعيًا بدور القطاع الصغير في الدورة الاقتصادية. غير أن المرحلة الراهنة تتطلب مزيدًا من التنسيق بين الجهات المختصة، وتكاملاً أوضح بين وحدات الأنشطة والتراخيص، وتوسيعًا لنطاق الدراسات المشتركة التي تسبق القرار، بحيث يكون الدعم أكثر دقة، والتنظيم أكثر فاعلية، والنتائج أعمق أثرًا على السوق وحياة الناس.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المحلات المتشابهة، بقدر حاجتنا إلى رؤية أعمق للتجارة، تُدار بالدراسة لا بالعجلة، وبالتكامل لا بالتجزئة، وبالنوع لا بالعدد. فالتنظيم حين يكون حكيمًا لا يضيّق على الناس، بل يحميهم، ويمنح السوق توازنًا، ويعيد للتجارة معناها الحقيقي.
ختامًا.. حين يعجز إنسان عن تأمين بيتٍ لأطفاله رغم عمله اليومي؛ فالمسألة لم تعد مسألة تجارة فحسب، بل مسؤولية مشتركة. مسؤولية أن يُدار السوق بعين ترى الإنسان قبل النشاط، وتقدّر الأثر قبل الترخيص، وتوازن بين فتح الفرص وحماية الكرامة.
نقدّر الجهود المبذولة، ونثق بأن المزيد من التنسيق والرؤية المتكاملة قادر على إحداث فرق حقيقي. فالاقتصاد في جوهره ليس سباق أرقام، بل مساحة أمان للناس. وحين يشعر العامل البسيط أن تعبه يحمي بيته، ويؤمّن أسرته، نكون قد اقتربنا من المعنى الحقيقي للنمو… بهدوء، وعدل، وإنسانية؛ "فالاقتصاد الحقيقي يُقاس بسلامة حياة الناس وكرامتهم، لا بالأرقام وحدها".
