د. محمد بن عوض المشيخي **
تفصلنا ساعات قليلة عن واحد من أهم الأحداث الوطنية المُهمة، إنه ملتقى "معًا نتقدم"، الذي يعكس توجهات الرأي العام العُماني بلا منازع؛ إذ أصبح بمثابة برلمان عُمان المفتوح بين المواطن والحكومة؛ بهدف تحقيق الشراكة الوطنية والعمل معًا من أجل رفع سقف الطموحات والآمال بالمجتمع العُماني، والحديث بصوت مرتفع لرفع شأن الوطن؛ لتبقى عُمان دائمًا وأبدًا رايتها مرفوعة وفي مقدمة دول العالم، من حيث الرخاء الاقتصادي والتنمية الشاملة والقوة الناعمة التي تعتمد على الإنجازات الوطنية والحضور السياسي، وقبل ذلك كله بعث التاريخ والتراث العريق للسلطنة التي أنعم الله عليها بقيادة رشيدة وحكيمة تهدف لتحقيق الرفاهية والأمن والأمان للجميع.
وبالفعل الأيام التي تحمل إنجازات شامخة لعُمان أصبحت حقيقة واقعة بجهود جبارة وغير مسبوقة تقودها واحدة من أنجح القيادات الوطنية المُحبة لهذا الوطن وقائدها سلطان الخير والعطاء حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه. ولقد تشرفت بالاطلاع عن قرب خلال زيارتي لمقر الأمانة العامة لمجلس الوزراء في مسقط يوم الخميس الماضي، على هذا العمل الوطني الرائع الذي ترك بصمة واضحة المعالم في الساحة الإعلامية؛ حيث تُصنع طموحات الوطن وتتحقق أحلام المواطن البسيط عبر النقاش الجاد الذي لا حدود ولا سقف لما يريده المجتمع العُماني، من خلال اختيار المواضيع والتصويت عليها لتكون بذلك حاضرة في هذا الملتقى، الذي أصبح عنوانًا مطبوعًا في القلوب والعقول، ويهدف بالدرجة الأولى إلى مد جسور الحوار الجاد الذي لا تنقصه الصراحة مع صناع القرار وأعضاء الحكومة في مختلف الوزارات والهيئات الحكومية، الذين يقودهم الواجب الوطني إلى مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، بلا خناجر ولا وتكلُّف أو تميُّز؛ بل مثلهم مثل غيرهم من الحضور، وذلك لكي يتم توجيه بوصلة العمل الحكومي هذه المرة استرشادًا بآراء المواطن العُماني الذي لبَّى نداء الوطن من مختلف ولايات السلطنة من خلال التمثيل العادل لجميع فئات الشعب ذكورًا وإناثًا، وفي مختلف الفئات العمرية تحت سقف واحد، وما كان ذلك ليحدث لولا الاستعدادات المُبكرة وحسن التنظيم من الأمانة العامة التي تقودها كوكبة من أبناء عُمان المخلصين لله والوطن والسلطان بحكمة واقتدار؛ فهم يعملون بجهود مضاعفة لجعل هذا الملتقى في نسخته الرابعة مختلفًا عن غيره من المنتديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولربما كان الطرح في النسخة الثالثة 2025، أقوى من المجالس المنتخبة مثل مجلس الشورى.
مع انعقاد هذا الملتقى، يشهد بلدنا العزيز حراكًا وطنيًا في ظل النهضة العُمانية المتجددة التي تؤمن بأن المواطن أصبح شريكًا لا غنى عنه في صناعة القرارات الوطنية لتحقيق الطموحات الكبرى لهذا البلد العزيز، وبالطبع هذا واحدٌ من أهداف وغايات رؤية "عُمان 2040" التي تتصدر المواضيع المطروحة في هذه النسخة الرابعة في يومها الأول بعنوان "رؤية عُمان 2040.. واقع الإنجاز وآفاق التقدم"، كما إن "تجويد الخدمات الحكومية لتعزيز الإنتاجية" يشكل قطب الرحى في القضايا والتحديات الوطنية المطروحة للنقاش؛ إذ إن الجودة في الأداء تعد واحدة من أبرز المحاور التي ستحظى بمكانة في أروقة هذا الملتقى المبارك. بينما مستقبل الصناعات الوطنية وآلية تطويرها في مقدمة الموضوعات المطروحة على بساط النقاش، والأهم من ذلك كله هو رفع سقف الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات التنموية من خلال اختيار أفضل السبل لتحقيق الأهداف الوطنية ونقل مختلف القطاعات الإنتاجية وخاصة الاقتصاد المعرفي والذكاء الصناعي نقلة نوعية.
ومن روائع الملتقى الثالث 2025، أنه شهد مشاركة 19 ألفًا في التصويت على المحاور، وقاد ذلك الحراك العنصر النسائي من الموظفات اللاتي طالبن بمناقشة نظام التقاعد المبكر التابع لمنظومة الحماية الاجتماعية وتسليط الضوء على بعض التحديات في ذلك النظام، من حيث عدم مناسبته للمرأة العاملة التي هي في الأساس أُمٌّ وتحتاج إلى وقت أطول في بيتها خارج العمل؛ إذ دار النقاش حول إمكانية تعديل بعض المواد المتعلقة بتقاعد المرأة العاملة، لكي تغادر العمل مبكرًا مع المحافظة على راتب تقاعدي مناسب ومشجِّع للخروج المبكر للتقاعد، إلّا أن ذلك لم يتحقق بعد؛ إذ الآمال معقودة على المسؤولين في مجلس إدارة صندوق الحماية الاجتماعية، وتحقيق الاستجابة السريعة لتلك المطالب التي نراها مشروعة للعنصر النسائي في هذا البلد؛ إذ سجَّلت منصة التصويت في الملتقى الثالث أكثر من 10 آلاف صوت لموظفات عُمانيات يطالبن بطرح نظام التقاعد للمناقشة والتعديل.
ويجب التذكير بأن ملف الباحثين عن عمل لم يغادر المنصات يومًا؛ لكونه يُعبِّر عن قضية وطنية من العيار الثقيل لم تجد حلولًا ناجعة حتى الآن، على الرغم من الحوار المفتوح طوال السنوات الماضية. وقد أوضح المسؤولون في وزارة العمل التحديات التي تواجه الوزارة في هذا المجال؛ حيث جرى الكشف عن دراستين تُطبخان على نارٍ هادئة في دهاليز الوزارة والمؤسسات الحكومية والأهلية التي لها علاقة مباشرة بذلك الملف المُتشعِّب والصعب. الدراسة الأولى تتمحور حول إمكانية منح الباحثين عن عمل راتبًا شهريًا مؤقتًا من صندوق الحماية الاجتماعية، أما الدراسة الثانية والاهم تتمثل في رفع الحد الأدنى لأجور العُمانيين العاملين في القطاع الخاص؛ حيث إن الحد الأدنى المطبق حاليًا لم يكن موفقًا، ويعود إلى عام 2020 ويخدم بالدرجة الأولى أصحاب الشركات، ولا ينصف بأي حال من الأحوال العامل العُماني الذي تكالبت عليه كل الأطراف، التي يُفترض منها أن تكون قراراتها متوازنة وعادلة. كما إن الحد الأدنى القائم حاليًا يُقلل من أهمية الشهادات العلمية ويثبِّط الاجتهاد في ميدان العلم؛ لعدم وجود حافز مادي يُقابل الشهادة الأكاديمية؛ إذ يقضي الوضع الحالي بفرض حد أدنى للأجور بغض النظر عن الشهادات العلمية، ويكتفي بـ325 ريالًا حدًا أدنى للراتب الشهري فقط.
وأخيرًا.. على الرغم من مرور أكثر من عام على الملتقى الثالث، ونحن اليوم نشهد انعقاد الملتقى الرابع، لكن لم ترَ هذه الدراسات النور حتى الآن، ولذلك نحن بحاجة ماسة لتطوير الأداء وتحسينه في أروقة الوزارات ولجانها، التي عرفت بأن الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود بكل أسف!
والسؤال المطروح الآن متى ينعم الشباب من الباحثين عن عمل بالمنفعة؟ وكذلك متى ترى دراسة رفع الحد الادنى للأجور إلى 500 ريال لحاملي شهادة الدبلوم العام وما دون ذلك، النور؟
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
