القوة الضاربة للرأي العام في الأزمات!

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

ارتبط مفهوم الرأي العام بظهور الحكومات والأنظمة السياسية التي تُدير شؤون العامة؛ إذ هناك من يعتبر هذه الظاهرة رد فعل المواطن على القرارات غير الرشيدة التي تتخذها السلطة التنفيذية التي تتولى إدارة الدولة، أي دولة، غير أنَّ دراسة الرأي العام بشكل علمي لم تُجرَ على نطاق واسع، إلّا في مطلع القرن العشرين بظهور مركز "جالوب" في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يهدف إلى تزويد صناع القرار ورجال الدولة المختصين بذخيرة معرفية لما يدور في نفوس الناس وطموحاتهم المشروعة، ومدى تقبلهم لتلك السياسات أو رفضهم لها.

وتُعد الولايات المتحدة الدولة الرائدة في هذا العلم الذي يكشف عن استقراء المستقبل وسبر أغوار المجتمع، والأهم من ذلك يعتبر ذلك بوصلة تعمل على توجيه الجميع نحو بر الأمان. حدث ذلك عندما أدركتْ النخب السياسية أهمية هذا العلم وقوته وتأثيره، ودوره المهم في تدعيم السياسات والقرارات التي تشكل عصب الحياة بالنسبة لأي مجتمع مُعاصر. كما إن القادة والأحزاب السياسية يهمهم بالدرجة الأولى التعرف على اتجاهات الرأي العام ومدى إمكانية نجاح أو فشل تلك الأحزاب في أقرب انتخابات والتي بدروها تعطي الضوء الأخضر لمن يصل إلى السلطة التنفيذية بتفويض الشعب وأصواته التي ترجح من يحكم في الدول الديمقراطية.

وفي هذه الأيام العصيبة التي تحمل نذر الحرب في منطقة الخليج يُصاب المتنفِّذون والمسؤولون بالهلع والخوف من المستقبل؛ حيث تظهر أهمية كسب الرأي العام ومحاولة قيادته في هذه الأوضاع الطارئة المصاحبة للأزمات والتي كانت تدار في الأيام الخوالي عبثًا بعيدًا عن الرشد، من قبل جيوش وكتائب مُدرَّبة تُتقن فن الدعاية الرمادية والسوداء؛ إذ يعمل الذباب الإلكتروني الذي لا يملك أفراده الشجاعة لاستخدام أسمائهم الحقيقية؛ كما إن بعضهم عبارة عن روبوتات تتخذ من المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي وكذلك مؤسسات الإعلام التقليدي مكانًا لها، من أجل التحكم في الساحة السياسية والسيطرة على الجماهير. على الرغم من أن هذه المنصات التي تعمل في كثير من الأحيان في الظلام وتعمل على تزيين الباطل، لا يمكن لها أن تحسم معركة كسب قلوب الناس وعقولهم من خلال عرض الإنجازات الوهمية وتقديم أنصاف الحقائق لعامة الناس، وكذلك من خلال الحملات المُغرضة التي تهدف في محاولة يائسة للمحافظة على أنظمة الحكم وخاصة الأمن الوطني من الداخل من الدعاية المضادة التي تهدف للتأثير على الرأي العام المحلي في تلك الدول خلال الأزمات والحروب.

وتكمن المشكلة هنا أن المسؤولين لا يهتمون برضا المجتمع في زمن السلم؛ بل يفضلون السيطرة عليه بالقوة لاعتقادهم الخاطئ بأن الشعوب سوف تبتلع ما يُقدَّم لهم من الأكاذيب التي تتولها القنوات الفضائية الناطقة بالعربية والتي خُصِّص لها مبالغ فلكية من الأموال والكوادر الإعلامية ومزودة بشكل يومي بتوجيهات وسياسات دعائية لشيطنة الخصوم، والتعبير عن الأنظمة التي تمولها منذ سنوات التأسيس وليس التعبير عن الحقيقة؛ وآخر ما تفكر فيه تلك الأبواق هي معايير الإعلام المعروفة بالصدق والموضوعية والتوازن.

لقد أثبتت الأيام أن الأنظمة التي تدير ظهرها لشعوبها عمرها قصير، واستمراريتها تكتنفها المخاطر، فيمكن تشبيهها بالذي يمشي في الظلام ويمكن أن يسقط يومًا ما؛ فالذي يقف في وجه هذه الحكومات المستبدة، هي إرادة الشعوب التي لا تقهر، فعلى الرغم من أن الرأي العام لا يملك خزائن من المال ولا يقود الجيوش الجرارة، إلّا أنه يمتلك قوة خارقة وإرادة فولاذية في توجيه الجبابرة والأنظمة الدكتاتورية للانحناء لمطالب الجماهير؛ ويوجه القضاة لإصدار الأحكام العادلة ويوحي للمشرعين والبرلمانيين القوانين التي تناسب الشعوب.

وفي الختام.. يبدو لي أنَّه قد ذهب الزمن الذي تُترك فيه الأمور للصدف أو للظروف في وقت الحروب والأزمات الطاحنة التي أصبحت أمرًا واقعًا في الإقليم الذي شهد 4 حروب خلال الأربعة عقود الماضية، ومن هنا فإن الحاجة لإنشاء مركز وطني وازِن مُتعدِّد الدوائر لإجراء دراسات مُتعمِّقة حول قضايا الرأي العام العُماني، أصبحت من الضروريات؛ بهدف استقراء المستقبل والتعرف المبكر على الازمات المتوقعة، وتحليل وتفكيك الظواهر الاجتماعية والسياسية في السلطنة والدول المجاورة. كما إن تأسيس قناة فضائية عُمانية موجَّهة للخارج أصبحت من الأهمية بمكانٍ؛ وذلك لمواكبة دور سلطنة عُمان المتنامي وإبراز دبلوماسيتها الهادئة في الساحة الدولية، والتي تهدف إلى نشر قيم السلام والعمل على القضاء على التوترات الإقليمية وإطفاء الحروب وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z