أنفلوس.. بين الاستلاب والأصالة العربية

 

 

 

سعيد بن عبدالله الدارودي

 

يُعادي التيّار الشُّعُوبي كلَّ من يدافع عن عروبة البلدان المغاربية، وإذا صادف أنْ كان المدافع عن العروبة في هذه الأقطار الخمسة ينتمي إلى البربر، فإنه سيُتّهم ويُنعت بأبشع الاتهامات والنعوت؛ منها أنه خانَ أبناء جلدته، وأنه شخص مُسْتَلَب العقل والفؤاد بسبب افتنانه الشديد بالعروبة، ولفظة "الاستلاب" هذه صارت أثيرة عند أصحاب هذا التيّار، لأنهم يظنون بأنه سلاحٌ نفسيٌّ فعّالٌ ضد خصومهم.

الدكتور محمد أنفلوس واحد من الذين يعارضون هؤلاء الشُّعُوبيين الجُدَد، بل يعارضهم بشجاعة وثبات، ومن يتابعه يُدرك تمامًا بأنه لا يهادنهم ولا يجاملهم. وهو أستاذ جامعي مغربي متقاعد، خبير في الهندسة البيداغوجية للتقييم والاعتماد، حصل على دكتوراه الدولة في الآداب؛ التخصص العام الجغرافية البشرية، والتخصص الدقيق في الجغرافية الاجتماعية، ذلك التخصص الذي يُعرف كذلك باسم جغرافية الصحة، ومن المهام التي أُنيط بها مهمة إدارة عدد من مشاريع البحث والتعاون وكذلك تأطير ومناقشة عشرات أطروحات الدكتوراه وبحوث الماجستير؛ ولقد عُيِّن أستاذًا باحثًا بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، من عام 1986م إلى عام 2023م، وكان مؤسسًا ومديرًا لمختبر الأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية في وحدة بحث تابعة للمركز الوطني للبحث العلمي والتقني بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء منذ 2013م إلى 2020م، وعُيِّن مستشارًا لدى وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة، وعُيِّن مستشارًا في الأخلاقيات الطبية والحيوية لدى اللجنة الوطنية المغربية للتربية والثقافة والعلوم، وله أربعة كتب منشورة، ومقالات عديدة في مجلات علمية مفهرسة ومجلات محكمة وعدة فصول في مؤلفات جماعية.

وبالعودة إلى موضوعنا؛ نجد أن الهجوم عليه يكاد لا يخلو من الإشارة إلى اسمه العائلي، أي اسم «أنفلوس»، بِعَدِّهِ دليلًا دامغًا على "استلابه". فمهاجمو الدكتور يرون أن اسم عائلته هو اسم بربري ذو خصوصية لغوية مغربية ولا علاقة له بأي لسان مشرقي عربي؛ فما معنى هذا الاسم العائلي؟ وهل حقًا هو اسم لا علاقة له بألسنة المشارقة؟ فلنبدأ على بركة الله.

أنفلوس كلمة بربرية معناها الأمين، الموثوق به، ويتوَّسع بعض البربر في مدلوله فيكون من معانيه عندهم؛ المنصف، العادل في أحكامه، النزيه، الحكيم. جاءت هذه الكلمة من الفِعْل / الجذر؛ إفلس، ومعناه "وثقَ بـالرَّجُلِ / أَمُنَ، أي كان أمينًا"؛ و"أنفلوس" هو اسم فاعل أتى على وزن أمفعول، ولكن كثيرًا ما تنقلب ميم أمفعول إلى نون، فيغدو أنفعول، وهذا ما حدث لهذا الاسم حيث أن أصله هو "أمفلوس"، فصار "أنفلوس" بسب استثقال النطق بحرف الميم الشفهي المخرج لأنه جاء بعده مباشرة حرف الفاء الشفهي المخرج أيضًا، ويُجمع أنفلوس على إنفلاس (وكذلك إنفلاسن)، ولقد ظهر في المغرب الأقصى مصطلح "مجلس إنفلاس"، أي مجلس الأمناء الموثوق بهم، وهو مجلس منتخب من القبيلة توكل له مهمة تنظيم وتسيير شؤونها، والحسم في خلافاتها، فهو مجلس يحافظ على الأمن والنظام ويسن القوانين العُرفية ويحكم في النزاعات القبلية.

وفي العربية الكنعانية يوجد الفعل فَلَس، ومعناه لَمَّ، أَصلحَ، سَوَّى بين كذا وكذا [انظر: ملامح في فقه اللهجات العربيات من الأكادية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية ـ د. محمد بهجت قبيسي ـ ص 483].

وفي اللهجة العربية العُمانية يوجد الفعل فالَسْ ومعناه تَشَفَّعَ في شخص أو شخصين أو جماعة من الناس، واسم الفاعل منه هو مْفالَس، وتعني الشخص الذي يفضُّ النزاع، وكذلك الذي يقوم بالشفاعة لمن يَلجأ إليه في خلاف، أو خصومة، أو مسألة تحتاج إلى حل [انظر: معجم المفردات العامّية العُمانية ـ عبد الله بن صالح بن خلفان الحَبْسي ـ ص 218 وص 272]. وهنا يتضح لنا أنَّ ما يقوم به "أنفلوس" عند العرب البربر هو ذاته ما يقوم به "المفالس" عند العرب العُمانيين، وإنَّ معنى الجذر "إفلس" في اللسان العربي البربري هو ذاته معنى الفعلين "فَلَس" و"فالس" في اللسانين العربيين؛ العُماني والكنعاني.

وبعد أن بيّنتُ الأصالة المشرقية العربية لاسم عائلة أنفلوس؛ اخترت لكم اسمًا آخرَ هو "إشقّيرْن"، وهو ليس اسمًا لعائلة، بل هو اسم لقبيلة كبيرة تقطن الأطلس المتوسط كان لها دور بارز في مقاومة المحتل الفرنسي، ويُقال إنَّ عدد العائلات التي تنتمي إليها زاد على ألفي عائلة، يقول الأستاذ محمد شفيق بخصوص هذا الاسم، في كتابه {الدارجة المغربية مجال توارد بين الأمازيغية والعربية} بالصفحة رقم 49: «إشقّيرْن، اسم قبيلة في الأطلس، جمع، مُفرده: أشقّار، لُغَويًا: قِمَّةُ الجَبَل (النَّاتِئ قَرْنُها)، كَثيرًا ما تُسمَّى القبيلة، أو البطن مِنْها، بما يَتَمَيَّز به موقعها الجُغْرافيّ».

سنذهب الآن إلى المشرق العربي لنعثر على كلمة (شقر) في اللغة اليمنية القديمة ومعناها هو القِمَّة [انظر: اللغة اليمنية القديمة ـ د. فاروق إسماعيل ـ ص 203]، وفي لهجتنا الشحرية نعثر على كلمة(شَغَر)، التي تأتي بالغين عِوَضَ القاف، ومعناها أنفُ الصخرةِ الكبيرةِ [انظر: معجم لسان ظفار (جبّالي / عربي فصيح) ـ أحمد محاد المعشني ـ ص 518]، والشين في هذه الكلمة تُنْطق نُطْقًا جانِبيًا. إذن قبيلة إشقّيرْن لا علاقة لها بـ"الأمازيغ"؛ لأنها عربية المنبت بناءً على تأصيل اسمها من خلال اللسانين العربيين؛ الشحري واليمني القديم.

وأخيرًا، أختم بكلمة أوجّهها لهؤلاء المتطرفين: عندما تشيرون إلى الأعلام البشرية البربرية، لكي تُحدِّدوا بها أصول أصحابها، يجب أن تدركوا بأن أكثرية هذي الأسماء والألقاب والكُنى، جذورها اللغوية موجودة في المشرق العربي؛ فإذا ما جاريناكم في منطقكم بخصوص الاستلاب، ستكونون أنتم هم المستلبون والمُفتتنون وفقًا لأسماء أعلامكم البَشَرية، وسيغدو هذا الاستحواذ الذي أصابكم؛ سَبَبُه وجودكم في شمال أفريقيا؛ ذلك الموقع الجغرافي الذي استلبَ عقولكم وجعلكم كارهين أصولكم المشرقية ومتنكرين لعروبتكم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z