تناول مستقبل العمل الأثري ودور التقنيات الرقمية في توثيق المعالم

"مؤتمر آثار شبه الجزيرة العُمانية" يقدم رؤى علمية لفهم علاقة الإنسان بالبيئة وأنماط العيش عبر العصور المختلفة

 

 

الرؤية- سارة العبرية

قدّم المؤتمر الدولي الأول لآثار شبه الجزيرة العُمانية في يومه الثاني رؤى علمية معمّقة تسهم في توسيع فهم النطاقين الجغرافي والزمني لتاريخ الإنسان في سلطنة عُمان وشبه الجزيرة العربية، من خلال أوراق بحثية ناقشت العلاقة التفاعلية بين الإنسان والبيئة، وأثر التغيرات المناخية في تشكّل أنماط العيش والاستيطان عبر العصور المختلفة، وذلك ضمن ستة محاور رئيسة وبمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين.

وتناولت الجلسات العلمية للمؤتمر -الذي يقام بتنظيم مشترك بين وزارة التراث والسياحة وجامعة السلطان قابوس- البيئة القديمة بوصفها مدخلًا أساسيًا لقراءة تطور المجتمعات البشرية، حيث استعرض الباحثون تحوّلات النظم البيئية وتأثيرها في أنماط الصيد والرعي والزراعة، مبيّنين كيف أسهمت فترات الجفاف أو زيادة معدلات الأمطار في إعادة تشكيل خريطة الاستيطان، وتوجيه حركة الجماعات البشرية نحو مناطق أكثر ملاءمة للحياة.

وأبرزت أوراق العمل توظيف التقنيات الحديثة في البحث الأثري، مثل النماذج الرقمية للتضاريس، والمسح الليزري، وتحليل الصور الفضائية، للكشف عن مسارات قديمة ومدرجات زراعية وطرق عبور شكّلت محاور رئيسة لنشاط الإنسان في الفترات المبكرة.

وفي محور الفنون الصخرية، ناقش المشاركون الرموز البصرية التي خلّفها الإنسان القديم، من خلال دراسات مقارنة بين مواقع في سلطنة عُمان وأخرى في الجمهورية العربية السورية وشمال الجزيرة العربية ومنطقة الخليج، مبرزين أوجه التفاعل الثقافي وشبكات التواصل الحضاري بين مجتمعات متباعدة جغرافيًا.

واستعرض المؤتمر الروابط الحضارية التي جمعت سلطنة عُمان بكل من إيران وبلاد الرافدين وشمال الجزيرة العربية، مدعومة بأدلة أثرية تشير إلى حركة تبادل نشطة للسلع والأفكار، إضافة إلى الدور المحوري للتجارة البحرية مع السواحل الهندية في ازدهار الموانئ القديمة وتطور تقنيات الملاحة.

وتناول المؤتمر مستقبل العمل الأثري من خلال نماذج مبتكرة لإدارة المواقع الأثرية وصونها، إلى جانب تسليط الضوء على دور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في توثيق المعالم وتحليل البيانات، بما يعزز من مكانة سلطنة عُمان مركزًا بحثيًا مهمًا لدراسة تاريخ الإنسان وتطوره في شبه الجزيرة العربية.

وقالت بثينة بنت راشد الغفيلية من قسم حفظ وصيانة المقتنيات الأثرية بدائرة المسوحات والتنقيب بوزارة التراث والسياحة، إن المعرض المصاحب للمؤتمر الدولي الأول لآثار شبه الجزيرة العُمانية يستعرض سردًا علميًا متكاملًا لتاريخ سلطنة عُمان، من خلال عرض مجموعة مختارة من المقتنيات الأثرية التي توثّق الامتداد الحضاري العميق للأرض العُمانية عبر آلاف السنين.

وأوضحت أن المعرض يعكس تسلسلًا زمنيًا يبدأ من العصر الحجري، مرورًا بالعصور البرونزية والحديدية، وفترة ما قبل الإسلام، وصولًا إلى العصر الإسلامي والآثار البحرية، بما يبرز مكانة سلطنة عُمان بوصفها أحد المراكز الحضارية البارزة في شبه الجزيرة العُمانية.

ويضم المعرض شواهد مادية تعكس البدايات الأولى للاستيطان البشري، من أبرزها أداة مصنوعة من حجر الصوان عُثر عليها في وادي عيبود، ويُقدَّر عمرها بنحو مئة ألف سنة قبل الميلاد، بما يؤكد الدور المبكر لسلطنة عُمان في دراسات عصور ما قبل التاريخ. كما يقدّم العصر البرونزي نماذج نادرة، من بينها قلادة فضية تحمل تصويرًا لحيوانين متقابلين، تُعد من أوائل المكتشفات من نوعها في السلطنة، وتشكل إضافة نوعية لفهم أنماط الزينة والتواصل الثقافي خلال تلك المرحلة.

ويحظى العصر الحديدي بحضور لافت في المعرض؛ نظرًا لغنى سلطنة عُمان بمكتشفاته؛ فتنوعت المعروضات بين أوانٍ فخارية ومجسمات رمزية، من أبرزها مجسم فخاري على هيئة طائر يحمل زخارف هندسية، لا يزال الغرض الوظيفي منه قيد الدراسة العلمية. كما يضم المعرض مكتشفات حديثة من مدينة السلطان هيثم تعود إلى نحو 300 سنة قبل الميلاد، وتعكس أبعاد التفاعل الحضاري مع المراكز المجاورة.

أما العصر الإسلامي، فيتمثل في مجموعة مميزة من المسكوكات، من بينها دينار عباسي يعود إلى فترة الخليفة هارون الرشيد، إضافة إلى مكتشفات نقدية أخرى تعكس ازدهار النشاط الاقتصادي. ويُختتم المعرض بعرض آثار بحرية من بقايا السفينة الغارقة "إزميرالدا"، تأكيدًا للدور البحري والتجاري التاريخي لسلطنة عُمان.

ويأتي هذا المعرض بوصفه منصة معرفية مكمّلة لمحاور المؤتمر وأوراقه العلمية؛ إذ ترتبط معروضاته بالدراسات والبحوث الأثرية المنشورة، وتعكس نتائج التعاون البحثي بين الباحثين العُمانيين والدوليين، مسلطًا الضوء على الروابط الحضارية التي جمعت سلطنة عُمان بمحيطها الإقليمي والدولي عبر العصور.

وأكد أحمد محمد التميمي مدير دائرة موقع وادي بسيا وسلوت الأثري بوزارة التراث والسياحة، أن الموقع يُعد أحد أبرز المواقع الأثرية في سلطنة عُمان، نظرًا لما يحمله من قيمة تاريخية وعلمية متراكمة. وأوضح أن مقر الدائرة يقع في ولاية بهلا ببلدة بسيا، إلى جانب مركز بسيا وسلوت الأثري الذي افتُتح في عام 2023، بهدف تقديم سرد علمي وتاريخي متكامل لمسيرة الموقع، وأعمال المسوحات الأثرية والبحوث والتنقيبات التي بدأت منذ عام 1973، حين جرى تسجيل الموقع لأول مرة، وحتى المرحلة الراهنة.

وبيّن التميمي أن المركز يستعرض أهم المحطات التاريخية والأحداث الرئيسة المرتبطة بالموقع، ويعكس استمرارية الجهود البحثية والدراسات الميدانية التي لا تزال متواصلة حتى اليوم، سواء داخل نطاق الموقع أو في عدد من المواقع الأثرية المرتبطة به، بما يسهم في تعميق الفهم العلمي لتاريخ المنطقة.

 

وحول المؤتمر الدولي الأول لآثار شبه الجزيرة العُمانية، وصف التميمي المؤتمر بأنه محطة علمية مفصلية، تأتي تتويجًا لمسيرة تمتد لأكثر من خمسين عامًا من الإصدارات العلمية التي وثقتها مجلة "الدراسات العُمانية"، بوصفها مجلة علمية محكّمة تناولت مجالات متعددة، من الآثار والجيولوجيا والبيئة، إلى الدراسات الاجتماعية المرتبطة بالعادات والتقاليد والحِرف التقليدية.

وأشار إلى أن الزخم العلمي الذي يشهده المؤتمر، من حيث عدد أوراق العمل وتنوّع محاورها، من شأنه أن يُثري المشهد البحثي، ويتيح للمتخصصين والمهتمين الاطلاع على أحدث نتائج الأعمال الأثرية، وحصيلة جهود البعثات العلمية عبر عقود طويلة، مؤكدًا أن المؤتمر يسهم في تبادل التجارب العلمية، وتعزيز المعارف لدى المختصين، وتنمية خبرات المشاركين من مختلف الدول، لا سيما في مجالات الترميم، ومعالجة المواقع الأثرية، والمقارنات العلمية.

وأضاف التميمي أن المعرض المصاحب يمثل منصة معرفية مهمة، من خلال عرضه لبحوث علمية ومقتنيات أثرية من فترات زمنية مختلفة، إلى جانب استعراض إصدارات مجلة "الدراسات العُمانية" حتى عددها الأخير، مؤكدًا على أن الجلسات العلمية واللقاءات الجانبية بين الباحثين من مختلف أنحاء العالم ستسهم في إثراء الحوار العلمي وتعزيز التعاون الأكاديمي على المستويين المحلي والدولي.

وأوضح الأستاذ الدكتور محمود حامد الحسري أستاذ الآثار المصرية والشرق الأدنى القديم المشارك بجامعة الوادي الجديد، أن مشاركته في المؤتمر الدولي الأول لآثار شبه الجزيرة العُمانية جاءت من خلال بحث علمي يتناول دور المسوحات الأثرية في الكشف عن المواقع الأثرية والتراثية الغارقة في سلطنة عُمان، مؤكدًا أن هذا المحور يُعد من القضايا البحثية ذات الأهمية البالغة في الوقت الراهن.

وذكر الحسري أن السواحل العُمانية تمتد لأكثر من 3000 كيلومتر، من مضيق هرمز شمالًا وحتى الحدود مع الجمهورية اليمنية جنوبًا، ما يمنح السلطنة ثراءً استثنائيًا بالمواقع الأثرية الساحلية والغارقة، إضافة إلى عدد كبير من الجزر التي ما زالت بحاجة إلى دراسات ومسوح علمية دقيقة، تمهيدًا لإدراجها ضمن قوائم التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

وأشار إلى أن دور المسوحات الأثرية لا يقتصر على الكشف عن المواقع الغارقة فحسب، بل يمتد ليشمل توثيقها توثيقًا علميًا دقيقًا، ووضع خطط متكاملة لحمايتها من المخاطر المحتملة، مثل التوسع العمراني الساحلي أو الأنشطة البحرية غير المخططة، موضحًا أن التوثيق يمثل خط الدفاع الأول للحفاظ على هذه الكنوز التاريخية من الاندثار.

وأكد الحسري أن الاكتشافات الأثرية البحرية تسهم في دعم مفهوم السياحة الثقافية المستدامة، من خلال تحويل بعض المواقع، مثل الموانئ القديمة أو حطام السفن التاريخية، إلى متاحف بحرية أو مواقع غوص أثري، بما يعزز مكانة سلطنة عُمان وجهةً سياحية ثقافية عالمية.

وأضاف أن رفع الوعي الأثري لدى الأجيال الشابة يُعد محورًا أساسيًا لضمان استدامة حماية التراث الوطني، مشيدًا بجهود وزارة التراث والسياحة في دعم البعثات الأثرية الدولية، وتعزيز التعاون مع الجامعات والمؤسسات البحثية العالمية، وتطبيق أحدث المنهجيات العلمية في أعمال المسح والتنقيب.

وأكد أن مستقبل المسوحات الأثرية في سلطنة عُمان واعد، ويتطلب استمرار الدعم العلمي والتقني، وتعزيز الشراكات الدولية، باعتبار أن كل اكتشاف جديد يمثل إضافة نوعية للهوية والذاكرة التاريخية العُمانية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z