خالد بن حمد الرواحي
نعيش في زمنٍ لا ينقصه الكلام الجميل، بل يفيض به. في كل مؤسسة تقريبًا، تُصاغ الرؤى بعناية، وتُكتب القيم بأجمل العبارات، وتُعلَّق المبادئ في كل زاوية: ابتكار، تمكين، شفافية، عمل بروح الفريق. ومع ذلك، لا يستقيم كل شيء كما يبدو. فبين ما نرفعه من كلمات، وما نعيشه من واقع، مسافةٌ صامتة لا تُقاس في التقارير، لكنها تُحَسّ يوميًا في التفاصيل الصغيرة.
المشكلة، في الغالب، ليست أن هذه الكلمات غير صادقة، ولا أن من يكتبها لا يؤمن بها؛ بل أن الكلمات- مهما كانت جميلة- لا تصنع السلوك وحدها. ما يصنع السلوك فعليًا هو ما يُكافَأ عليه الناس، وما يُغضّ الطرف عنه، وما يُكلّف ثمنًا، وما يمرّ بلا ثمن. الإنسان داخل أي منظومة يتعلّم سريعًا أين يضع جهده، وأين يختصر طريقه، وأين يصمت، لا لأنه يريد أن يخالف القيم، بل لأنه يتكيّف مع ما هو ممكن، لا مع ما هو مثالي.
لهذا.. قد نرفع شعار الشفافية، لكننا نكافئ من يُجيد إخفاء المشكلات بدلًا ممن يكشفها مبكرًا. وقد نتحدث عن العمل بروح الفريق، بينما تُصمَّم أنظمة التقييم لتكافئ الإنجاز الفردي ولو على حساب الآخرين. وقد نمجّد المبادرة، ثم نحمّل المبادر وحده كلفة الخطأ إن وقع. وفي كل مرة يحدث ذلك، يتعلّم الناس درسًا غير مكتوب: ما يُقال شيء، وما يُفعل شيء آخر.
ومع تراكم هذه الرسائل الصغيرة، لا تتحول الفجوة إلى مشكلة إدارية فقط، بل إلى مشكلة نفسية وأخلاقية أيضًا. الموظف لا يغضب دائمًا… بل يتعب. يتعب من محاولة التوفيق بين ما يُطلب منه نظريًا، وما يُتوقَّع منه عمليًا. ويتعب من أن يُحاسَب بلغة، ويُدار بلغة أخرى. فيبدأ في الانسحاب الصامت: يقل حماسه، يخف صوته، ويصبح أكثر حرصًا على السلامة من الصدق، وعلى التكيّف بدل الإسهام، وعلى تجنّب الخطأ بدل محاولة الإضافة.
والأخطر من ذلك أن المؤسسة نفسها تتغير من الداخل دون أن تنتبه. تتحول الذكاءات من طاقة تطوير إلى مهارة التفاف. وتتحول القيم من معايير سلوك إلى ديكور لغوي. وتتحول الاجتماعات من مساحات تفكير إلى مساحات عرض. ويصبح النجاح هو "أن تمرّ الأمور"، لا أن تتحسن.
لكن هذه الفجوة ليست قدرًا محتومًا؛ هي نتيجة تصميم، ويمكن أن تكون نتيجة إعادة تصميم أيضًا. حين نُعيد النظر في ما نكافئه، لا فقط فيما نعلنه. وحين نربط التقدير بالأثر لا بالشكل، وبالتحسّن لا بالعرض، وبالصدق المهني لا بالراحة الإدارية. وحين نمنح الناس أمانًا يسمح لهم بأن يكونوا صادقين، لا بارعين في إرضاء الصورة.
الكلمات الجميلة مهمة، نعم؛ لكنها تحتاج بيئة تحميها، وأنظمة تترجمها، وثقافة تسمح لها أن تُمارَس لا أن تُعلَّق. فالقيم لا تعيش في الشعارات، بل في القرارات اليومية الصغيرة: في من نُثني عليه، ومن نسمع له، ومن نمنحه فرصة، ومن نحميه حين يُخطئ بنية الإصلاح.
وحين تتطابق اللغة مع السلوك، لا تصبح المؤسسة أجمل في خطابها فقط… بل أصدق في أثرها، وأقرب إلى الإنسان الذي تعمل لأجله ومن خلاله.
