عائض الأحمد
ترعاه ويترعرع في ظلك، تحميه إن أحرقتْه الشمس، وتؤويه إن مسَّه البرد.
ثم ماذا؟ يكبر، فيتعلّم أن يقف خارج الظل، ويجرّب سيفه أولًا على من ربّاه.
ليس الخطر أن يخرج من ظلك، بل أن يخرج وهو يعتقد أن الظل كان حقًا مكتسبًا لا فضلًا مؤقتًا.
وإن لم يكن معك، فلعلّه ينسى أن يكون ضدك.
يقول صديقي الحكيم: من اعتاد ماء الورد، هل يرضيه ماء السبيل ولو كان في صحراء قاحلة؟
حين تُفضِّله على غيره ثم تأتي على ما يظنّه حقًا له، تتعفّف نفسه ويميل سخطًا، لأن المنع في ظنّه لم يكن قرارًا، بل نقضًا لاستحقاق لا يقبل النقاش.
ويقول أيضًا: من ربّيتَه على الامتياز، لا يرى العدل كافيًا ولا المساواة فضيلة. فإن نزعتَ عنه الزائد حسبك قد ظلمتَه، وإن أعطيتَه مثل غيره رآها إهانة لا قِسمة.
من يأوي أحدهم بين ظهرانيه كمن يُطعم جاحدًا ناكرًا؛ يُقاس الإحسان بكم أُخذ، فثورته أقرب من شكره، ونوبة غضبه معلّقة في رقبة مُحسنه.
يكبر وهو لا يسأل: لماذا؟ بل يقول: أين ما اعتدتُ عليه؟ فإذا لم يجده، بحث عن سيفه لا عن نفسه.
وحين يشعر أن الظل الذي عاش فيه لم يكن دائمًا ملاذًا، بل كان أحيانًا زنزانة يصعب الفكاك منها، تتحوّل التجربة إلى سيفٍ على الروح قبل الآخرين.
وهنا يدرك أن الولاء ليس قيمة تُمنح، ولا حماية تصنعه، بل شعور يولد من احترام الحرية، ومن إدراكٍ واعٍ بأن الإنسان لا يظل تابعًا لمن يمنحه الأمان فقط، بل لمن يقدّر وجوده ويعطيه حق اختيار طريقه.
لها: لا تخشَ من يخرج من ظلك، اخشَ من يحفظ طريق العودة إليه، ويحمل في صدره ذاكرة كل ما منحته ولم يُقدَّر.
شيءٌ من ذاته: لم يخنه، هو فقط صدّق أن التربية دين لا يُسترد، وأن الحماية وحدها لا تُخلق ولاءً.
نقد: الخطأ ليس في من تمرّد، بل في من ظنّ أن الحماية تصنع ولاءً، وأن الولاء يمكن شراؤه بالحب أو بالسكوت عن الجور.
