تعطيل المواريث.. فتنة صامتة

 

 

أنيسة الهوتية

 

عندما تموت الضمائر، تموت معها الإنسانية، والإنسان ميت الضمير حتى الموت لا يهزّ في بدنه شعرة؛ بل يكون الموت خبرًا سعيدًا لنيل الميراث، وليس حزنًا على المتوفى.
المصيبة الحقيقية تبدأ حين يتوفى شخص، وتبقى تركته معلّقة سنوات طويلة؛ بل لعقود أحيانًا، دون توزيع عادل بين الورثة. وفي كثير من الحالات، يفرض أحد الأبناء أو أكثر سيطرته على الميراث، بسلطة الأمر الواقع، أو بالترهيب، أو بالمماطلة، أو بحجة الحفاظ على "الأسرة"، بينما تُسلب حقوق بقية الورثة، نساءً كانوا أو رجالًا، كبارًا أو صغارًا. وهناك حالات قد مضت 30 أو 40 سنة، ولم تُقسَّم تركات أصحابها، حتى توفي بعض الورثة أنفسهم، وتعقّدت القضايا، وتحولت المطالبة بالحقوق إلى نزاعات قضائية وعداوة وقطيعة.
ومن المنظور الديني، فإن الميراث ليس مسألة اختيارية، ولا خاضعة للأهواء أو الأعراف؛ بل هو فريضة إلهية محكمة. يقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (النساء: 11)، ويقول أيضًا بعد ذكر أنصبة الميراث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (النساء: 13)؛ فمن يتجاوز هذه الحدود، أو يعطّلها، أو يمنع حقًا معلومًا، فإنه لا يظلم الناس فحسب، بل يتعدّى على حكم الله نفسه. وقد شدّد النبي ﷺ في التحذير من أكل حقوق الآخرين، فقال: "من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار".
إن البُعد الإنساني في هذه القضية لا يقل خطورة؛ فكم من أرملة عاشت وماتت في فقر ولها ميراث مسلوب، وكم من بنت حُرمت من حقها، وكم من أخٍ قُطعت رحمه، وكم من أرضٍ بقيت بورًا، وكم من مالٍ تجمّد بلا نفع، فقط لأن الميراث تُرك "قضية مفتوحة".
هذه الممارسات لا تصنع استقرارًا أسريًا، بل تنتج خصومات مزمنة، وفتنًا صامتة، وكراهية تتوارثها الأجيال.
من هنا، يصبح التدخل الحكومي ضرورة لا خيارًا؛ إذ إن ترك الميراث دون إطار زمني أو إلزام قانوني أثبت فشله. ومن الواجب أن تتدخل الدولة بشكل مباشر، بحيث لا تُستخرج شهادة وفاة لأي متوفى إلا بعد حصر التركة، وحصر الورثة رسميًا، وفتح ملف إلزامي لتصفية الميراث. كما يجب سنّ تشريع يُلزم الورثة بإنهاء إجراءات توزيع الميراث خلال مدة لا تتجاوز شهرين من تاريخ الوفاة، مع فرض عقوبات واضحة على المماطلة أو التعطيل المتعمد.
القانون، حين يتكئ على الشريعة، ويحمي الضعفاء، لا يكون خصمًا للأسرة، بل حارسًا للعدل. إن تنظيم الميراث ليس تدخّلًا في الخصوصيات؛ بل حماية للحقوق، وصيانة للمجتمع، ومنع لظلمٍ طال أمده.

 

الأكثر قراءة

z