الطلاق المتصالح

 

 

د. سعاد بنت محمد اللواتية **

 

حينما ينفصل القلبان يبقى للأخلاق عنوان.. عنوان جميل قرأته سابقًا، فعلًا الأخلاق والقيم تلعب دورًا محوريًا حتى في الطلاق.

يتخذ الوالدان قرار الطلاق من أجل حياة أفضل لكليهما معًا أو لأحدهما، وغالباً ما يكون ذلك للشريك الذي يطلب الطلاق. لا يحق لنا أن نحكم على قرارهما، نحن لسنا في العلاقة ولا نعرف ما هو الأفضل لهما، ولا نستطيع اتخاذ القرار بدلًا عنهما لأنها حياتهما، في بعض الحالات شفاء العلاقة الزوجية وإصلاحها من قبل متخصص في الإرشاد النفسي الأسري قد يكون القرار الصحيح لهما، وأحيانًا قد يكون قرار الانفصال والعيش في بيت واحد هو القرار الأفضل لهما وللأطفال والناشئة، وفي حالات أخرى قد يكون الطلاق هو القرار الصحيح. يتخذ قرار الطلاق من هما في سن الرشد لأن الحياة أصبحت مستحيلة ما بينهما أو هذا ما يعتقدانه، فمن وجهة نظرهما لا يمكن أن ترجع المياه ما بينهما إلى مجراها الطبيعي مهما حاولا من محاولات. قرار يتخذه الطرفان عندما يكون وجودهما معًا في سكن واحد لا يوفر البيئة النفسية الصحية الآمنة لهما وللأطفال، بل يؤثر بشكل سلبي على نفسية الأطفال، خاصة عندما تفشل كل السبل في الإصلاح من قبل الأسرة ووجهائها وعلماء الدين والمتخصصين في مجال الإرشاد النفسي الأسري. يعتبر طلب الخدمة الإرشادية مهمًا جدًا من متخصص في المجال (لديه تأهيل نظري وعملي في الميدان وتحت إشراف موجه) قبل طرق باب الطلاق حتى يصبح الانفصال خيارًا واعيًا، لأن تخصص الإرشاد النفسي الأسري لا يعتمد على النصائح والحلول بل على نظريات وتقنيات علمية وعملية تساعد الزوجين على التجول بعمق داخل نفوسهما، ويسهل ذلك عليهما السبيل لاتخاذ القرار الصحيح لهما وللأسرة، فتتخذ القرارات بهدوء، وإذا قرر الطرفان الطلاق وعدم الاستمرار يكون الحل الأنسب لهما، حتى بعد خضوعهما لجلسات الإرشاد الأسري، فإن هذا القرار لابد أن يكون قرارًا واعيًا ويكون الطلاق دون كسر فهي نهاية علاقة ويجب أن تكون بداية الاتزان لأنها بلا شك ستؤثر على نمو وحياة الأطفال! فما ذنب الأطفال؟

ولذلك الطلاق المتصالح مهم جدًا، فالطلاق ليس فشلًا؛ بل إعادة ترتيب ويكون الفراق على مهل مهم جدًا، فاختلاف الطرق لا يعني العداء، وذلك ليتفادى الأطفال والناشئة الصعوبات والمشكلات خلال مراحل نموهم بقدر الإمكان. تتأثر مشاعر وأحاسيس الأطفال واليافعين وحتى الشباب بقضية الطلاق، كما أن لديهم متطلبات وحاجات لا بُد أن تلبى بالطريقة المناسبة والأسلوب الصحيح من قبل الوالدين معًا في مراحل نموهم، لتتوافر لهم بيئة نمو صحية تساندهم في تنمية استعداداتهم وقدراتهم وإمكاناتهم لأقصى مداها، ليترجموا قدراتهم وإمكاناتهم في واقع الحياة إلى نتاج مفيدة لهم ولمجتمعهم وبذلك يصلوا إلى درجة تحقيق الذات وعرَّف العالم النفسي كارل روجر تحقيق الذات "أن تنظر إلى نفسك فترضى عن ما تنظر إليه".

ومن الأخطاء الشائعة التي يقوم بها الوالدان عند الطلاق:

- أن ينفس الطرف الحاضن عن مشاعره السلبية تجاه الطرف الآخر لأحد الأطفال الأكبر عمرًا وخاصة إذا كان يافعًا في مرحلة المراهقة. لا يستطيع الطفل أو اليافع أو حتى الشاب أن يقوم بدور الشخص الراشد ولا أن يقوم مقام الصديق أو يأخذ مكان المرشد النفسي الأسرى، لأن الطفل أو اليافع في مرحلة نمو وهو بحاجة إلى بيئة صحية آمنة خالية من المشكلات والصراعات وإلى الدعم والمساندة. كما سيظل الطفل أو اليافع يحمل مشاعر إيجابية تجاه الطرف الآخر والدته/ والده، حتى لو كانت الخلافات والصراعات والمشادات الكلامية شديدة بينهما، وحبه لن يتغير وسيشمل كلا الوالدين معًا ومن حقه ألا ينحاز إلى جانب دون الآخر، وأن تكون علاقته قوية مع والديه معًا وإن لم يكونا معًا.

- من المهم ألا يتم تفكيك الأسرة بدلًا من العلاقة كطلب الطرف الحاضن من الأطفال أن يأخذوا جانبه في القضية في الأسرة الممتدة أو المحكمة ويحاربوا الطرف الآخر ويحشو رأسهم بالسلبيات عن الطرف الآخر عن طريق انتقاده المستمر له ويضغط نفسيًا عليهم حتى يكونوا رأيا سلبيا عن الطرف الآخر، أو يسيطر عليهم ويضغط عليهم لينفذوا أوامره ويقولوا ما يريده هو أو هي مما ينتج عنه انتهاك للقيم وصراعات داخلية شديدة يمّر بها الطفل أو الناشئة ويعاني بصمت عندما تنتهك حقوقه في الحفاظ على صورة إيجابية لوالدته/ والده. من حق الطفل أن يحتفظ بصورة إيجابية عن والده/ والدته لأنه قد يكون القدوة له خاصة إذا كان من نفس جنسه.

- أن يشوه الطرف الحاضن سمعة الطرف الآخر أمام الأطفال وبصفة مستمرة حتى يحظى بحبهم دون الطرف الآخر وحتى يكرهوا الطرف الآخر، مما يجعل الطفل أو الناشئة يفقد مثله الأعلى وقدوته في الحياة خاصة إذا كان الطرف الآخر من نفس النوع الاجتماعي.

- أن يمنع الطرف الحاضن الأطفال من الاتصال وحتى التواصل مع الطرف الآخر إلى أن تحكم المحكمة بذلك ويضع العراقيل لاحقًا، وقد يمنع الطفل من رؤية والده/ والدته لفترة طويلة من الزمن، والطفل في حيرة ماذا يحصل؟ لماذا لا يريد والده أو والدته رؤيته؟ لماذا لا يحبه والده/ والدته؟ ماذا فعل؟ ويبحث عن أخطائه في علاقته مع والده/ والدته ويلوم نفسه! مما يؤثر على نمو الطفل والناشئة من الناحية النفسية وحتى العقلية وقد يؤثر ذلك عليه مستقبلا فلا يستخدم كافة استعداداته وإمكانياته وقدراته لأقصى مداها.

- أن ينتقم الوالد أو الوالدة من الأطفال واليافعين بدلًا من الانتقام من الطرف الآخر. ما ذنب الأطفال؟ وقد يكون ذلك بالمعاملة القاسية أو رفض وجوده بشكل مباشر وغير مباشر أو إهماله وعدم تلبية حاجاته أو التقصير فيها ورفض طلباته، خاصة إذا كانت متعلقة بالشريك الآخر وغيرها من السلوكيات السلبية، ما ذنب الأطفال؟

يحتاج الأطفال والمراهقون إلى حُب وحنان واهتمام ورعاية من الوالدين معًا حتى ينمو بالطريقة السليمة والصحية من كافة الجوانب الجسمية والنفسية والعقلية والاجتماعية والاخلاقية، وتنمو استعداداتهم وإمكانياتهم وقدراتهم لأقصى مداها. تشير الدراسات النفسية أن الانفصال له أثر نفسي واجتماعي على الأطفال؛ فدراسات اليونيسف أكدت أن الطفل الذي لديه أحد الوالدين فقط يعاني من نقص وعدم كفاية الحب والرعاية والعناية والاهتمام، ويؤثر ذلك على ان لا يصل إلى أقصى مدي قدراته النفسية واستعداداته وامكانياته مما يؤثر على استثماره لقدراته العقلية لأقصى مداها في المستقبل.

كما أن الطفل الذي يمنع من رؤية الطرف غير الحاضن قد يعاني من اعراض القلق والاكتئاب وقد يعتقد انه سبب ذلك الإهمال من والده/ والدته فيعاني من الاضطرابات النفسية. تشير الدراسات النفسية أن الطفل ذو العام الواحد يفتقد غياب والده لعدة أيام فقط، وإن كان رضيعًا ومتعلقًا تعلقًا شديدًا بوالدته، فكيف بالأطفال الأكبر عمرًا! فلماذا لا يسعى الزوجين إلى الطلاق المتصالح، فعند انفصال القلبين يبقى للأخلاق عنوانًا، فلتكن مشاكل وخلافات الزوجين أو المنفصلين أو المطلقين بعيدًا عن الأطفال؛ سواء قبل الطلاق أو أثناءه أو بعده، فليس من مسؤولية الأطفال حمل مشاكل وخلافات وصراعات ومشاحنات الوالدين على أكتافهم؟ ولتكن المشاكل والخلافات والصراعات والمشاحنات الزوجية بعيدًا عن مسمع ورؤى الأطفال واليافعين سواء في الزواج او الانفصال أو الطلاق.

فلماذا لا نفصل العلاقة الزوجية عن العلاقة الوالدية، فإذا فشلت العلاقة الزوجية ما بين الزوجين من المفروض ألا تؤثر انعكاساتها على العلاقة الوالدية لأنهما علاقتان مختلفتان عن بعضهما البعض، فمن حق الطفل أن يعيش طفولته بسعادة وفي بيئة نفسية مناسبة وصحية وآمنة. ويتلقى الطفل أو اليافع الحب والاهتمام والعناية والرعاية وقضاء الوقت والمشاركة في جوانب حياته المختلفة من الوالدين معًا، بحيث يكون الوالدان معًا جزءًا من حياته وإن لم يعيشا معًا. ولذا على الوالدين تحقيق ذلك وهي حق من حقوق الأطفال، وبالطبع على الطرف الحاضن أن يوّفر ويهيّ ذلك للأطفال حتى ينمو الأطفال بطريقة نفسية صحية وسليمة، ويستثمرون قدراتهم وإمكانياتهم واستعداداتهم لأقصى مداها؛ ليصبحوا أفرادًا منتجين لأنفسهم ولمجتمعهم ويعيشوا بصحة نفسية وسعداء في حياتهم.

** رئيسة الجمعية العمانية لعلم النفس وسفيرة المسؤولية المجتمعية

** خبيرة ومستشارة بمركز واحة الامل للإرشاد النفسي والأسري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z