يوميات «حمار» ذكي جدًا!

 

 

 

د. مجدي العفيفي

 (1)

فتح الحمار مذكرة يومياته وكتب فيها:

«أنا لا أعرف كم مضى من الزمن على رحيل الأسد، ولكن وصلتُ في نهاية عمري إلى قناعة راسخة لكنها قاسية ومُؤلمة مفادها: أن ديكتاتورية الأسد أفضل من حرية القردة والكلاب، فهو لم يكن يستعبدنا..  بل كان يحمينا من: قرود تبيع نصف الغابة مُقابل الموز! وكلاب تبيع نصفها الآخر مُقابل العظام!! وحمير تشيد بإنجازاتهم بالنهيق..!».

(2)

هذا المشهد القصير، المكتوب على لسان حمار يدوّن اعترافه الأخير في مذكّراته، ليس نكتة سياسية ولا سخرية عابرة، بل مرثية فكرية قاسية لوعيٍ متأخر، وبيان إدانة شامل لفكرة "الحرية" حين تُفرَّغ من القيم وتُسلَّم لوكلاء الانحطاط.

(3)

نحن أمام حكاية رمزية مركّبة، أبطالها ليسوا حيوانات بقدر ما هم أنماط بشرية وسلطات اجتماعية وسياسية.

الأسد، القردة، الكلاب، الحمير... كلّهم استعارات لأنظمة حكم، نخب، جماهير، ووكلاء. والمشهد كلّه يُكتب من موقع الهزيمة الإدراكية: حمار في نهاية العمر، بعد فوات الأوان، يصل إلى "قناعة راسخة لكنها قاسية".

(4)

أولًا.. الحمار كراوٍ- حين يتكلم الضحية المتأخرة:

اختيار الحمار راويًا ليس اعتباطيًا. الحمار في الثقافة الشعبية رمز للصبر، التحمل، البلادة أحيانًا، لكنه أيضًا رمز لمن يحمل الأثقال بصمت. هنا لا ينهق فقط، بل يكتب. أي أن الوعي جاء متأخرًا، بعد أن استُهلك الجسد واستُنزف العمر.

هذا الحمار لا يثور، لا يقاوم، لا يغير الواقع؛ هو يكتب اعترافًا أخيرًا. وهذه أقسى أشكال التراجيديا السياسية: أن تفهم الحقيقة بعد أن تفقد القدرة على الفعل.

(5)

ثانيًا..  الأسد - الديكتاتور بوصفه "وظيفة حماية":

الجملة المفصلية في النص: "ديكتاتورية الأسد أفضل من حرية القردة والكلاب".

هنا لا يُمجَّد الاستبداد أخلاقيًا، بل يُقاس وظيفيًا. الأسد لم يكن "ملاكًا"، لكنه كان سقفًا يمنع الانهيار الكامل. لم يكن يستعبدهم – كما يقول الحمار – بل كان يحميهم من الأسوأ.

 هذه الفكرة صادمة لأنها تكسر الثنائية الكسولة:

استبداد = شر مطلق / حرية = خير مطلق.

النص يقول شيئًا أخطر: الحرية بلا أخلاق، بلا مشروع، بلا وعي.. قد تكون أكثر تدميرًا من الاستبداد المنضبط.

(6)

ثالثًا.. القردة - نخب الانتهاز وبيع الغابة بالموز:

القردة هنا ليست مجرد سخرية، بل تشريح دقيق للنخب الانتهازية:

ذكية.. مرنة.. سريعة التكيف.. لكنها بلا ولاء ولا كرامة

“تبيع نصف الغابة مقابل الموز” أي تبيع السيادة، الأرض، القرار، مقابل مكاسب آنية تافهة. هذه هي نخب الخصخصة السياسية: لا ترى الغابة، بل ترى صفقتها.

القرد لا يؤمن بوطن، بل بسوق.. ولا بتاريخ، بل بفرصة.

(7)

رابعًا.. الكلاب - حراس الفتات ووكلاء القمع الصغير:

الكلاب تبيع النصف الآخر مقابل العظام.

إنهم وكلاء القمع الأدنى:

أدوات..  منفذون.. لا يملكون مشروعًا، فقط غريزة الطاعة

هؤلاء لا يحكمون، بل يحرسون الخراب.

لا يبيعون الوطن بثمن كبير، بل بفتات الامتيازات: منصب، سلاح، حماية.

إنهم الوجه اليومي للعنف، حين ينفصل عن أي فكرة أو قضية.

(8)

خامسًا.. الحمير - التي "تشيد بإنجازاتهم بالنهيق":

وهنا تصل القسوة ذروتها.

ليس القرد ولا الكلب هو أخطر ما في المشهد، بل الحمير التي تبرّر وتصفّق.

الحمير التي: تبرر بيع الغابة.. تشرعن الخيانة.. تحوّل الانحطاط إلى "إنجاز"

النهيق هنا ليس جهلًا فقط، بل تواطؤ أخلاقي... إنه إعلام رديء، ثقافة مزيّفة، ووعي مُستأجر.

(9)

سادسًا.. الدلالة الكبرى - حين تصبح الحرية قناعًا للنهب:

النص لا يدافع عن الديكتاتورية، بل يفضح زيف الحرية حين تُسلَّم لوكلاء القردة والكلاب.

إنه يقول بوضوح: ليست المشكلة في سقوط الأسد، بل في من ورث الغابة.

وحين تسقط السلطة دون بديل أخلاقي، دون وعي جمعي، دون مشروع،

لا تولد الحرية.. بل تولد سوق مفتوحة للنهب، والكلاب، والنهيق.

(10)

هذا المشهد صرخة متأخرة من ضمير مسحوق، أطلقها المفكر العراقي الدكتور «علي الوردي»..  إنها تقول: الاستبداد قد يكون جريمة، لكن الفوضى المقنّعة بالحرية قد تكون إبادة..

المأساة الحقيقية- يا مفكرنا العراقي «علي الوردي» يا من جسدتها في خمسة سطور- ليست في الأسد الذي رحل، بل في الحمير التي فهمت.. بعد أن ضاعت الغابة!

شكرًا لك..  ولحمارك «الفيسلوف الذكي».. ويومياته ذات التراجيديا السوداء جدا.

مرثية سياسية ساخرة تثير الضحك حتى حد البكاء..

والناس من كثرة البكاء يضحكون!

الأكثر قراءة

z