انحدار الخطاب الرسمي الأمريكي إلى نبرة المنصة السوقية

 

 

 

 

د. مجدي العفيفي

 

(1)

حاولي أن تكوني مهذبة..

كارولاين ليفِت، المنبر الذي تقفين خلفه ليس مسرحًا للتهريج السياسي، ولا منصة لإثبات الجراءة عبر السخرية، ولا أداة لتصفية حسابات شخصية مع الصحفيين. أنتِ تمثلين البيت الأبيض، أعلى مؤسسة تنفيذية في العالم، ورمز دولة يفترض أن يُدار بعقلانية وصبر، لا بانفعال وعرض لحظات من الغضب الفردي. كل رد ساخر، كل عبارة مستفزة، كل نبرة استعلاء، لا تصيب الصحفي فحسب، بل تصيب صورة المؤسسة التي تمثلينها، وترسم خارطة هشاشة للخطاب الرسمي أمام العالم.

حين يُسأل سؤال مهني عن موقع لقاء بين زعيمين، فالمطلوب إجابة سياسية دقيقة، تفسير دبلوماسي، أو حتى امتناع محسوب، فالرد الساخر أو المستفز لا يُظهر قوة، بل يكشف ضيقًا في فهم وظيفة المنصب، وانت سقطت الى الحضيض بردك عليه: (أمك من اختارت الموقع) (!!!!) 

ثم إن التلويح بلغة الإلغاء أو "المحو" حين يتعلق الأمر بدول أو قيادات ليس استعراض قوة، بل خطاب خطير يعكس ذهنية صدامية لا دبلوماسية. كما حدث وانت تهذيب بقولك البهيمي: "محونا المرشد الايراني من الوجود".

(2)

حاولي أن تكوني مهذبة..

تحويل السؤال إلى مادة للاستخفاف، أو الرد بطريقة تهكمية متعالية، ليس ذكاءً سياسيًا، بل تبسيط مخل لمنصب يُفترض أنه أكبر من أي رد فعل شخصي. الصحفي لا يسألك باسم نفسه، بل باسم جمهور يمثل الرأي العام؛ والاستخفاف به هو استخفاف بالناس الذين تدّعين مخاطبتهم.

الخطورة تتضاعف حين تتحول الردود إلى لغة التباهي بالقوة، أو التهديد بالمحو والإزالة، خاصة حين يتعلق الأمر بدول أو قيادات دولية. هذه ليست قوة، بل خطاب صدامي ينم عن ضعف دبلوماسي، وعن انحدار في فهم وظيفة المنصب، وتحويل السياسة إلى ساحة صراخ وعرض جماهيري. البيت الأبيض، عبر عقود، كان ساحة توتر وضغط، لكن المتحدثين الذين شغلوا المنبر أدركوا دائمًا أن الكلمات تُوزن، وأن الدولة تُقاس بميزان لغتها ووعيها.

(3)

حاولي أن تكوني مهذبة..

الدبلوماسية الرصينة لا تحتاج إلى الصراخ، ولا الاستعراض الإعلامي. الصوت المرتفع لا يساوي وزنًا استراتيجيًا، والتصفيق من جمهور لحظي لا يصنع احترامًا دوليًا. القوة الحقيقية تُقاس بالقدرة على الإجابة الرصينة تحت الضغط، بالانضباط حين تكون الكاميرات مفتوحة، وبالقدرة على الفصل بين الشخصي والمؤسسي. كل لحظة فقد فيها المنبر اتزانه، تُسجَّل في التاريخ، وليس مجرد ردود ساخرة تُمحى بمرور الأيام.

المنصب الذي تحتلينه ليس ملكًا لمزاجك، ولا ساحة لتجارب شخصية، بل واجهة مؤسسة، ولسان دولة، وصورة بلد أمام العالم. كل انحدار في مستوى الردود يعني انحدارًا في صورة الدولة، وكل تهكم أو استعراض لغوي يهدد الهيبة الرمزية للمنصب، ويحول ما يفترض أن يكون إدارة مسؤولة إلى مشهد ارتباك مستمر.

 (4)

حاولي أن تكوني مهذبة..

الصحافة ليست خصمًا يجب إسكاتها أو تهديدها. هي مرآة، جزء من منظومة التوازن التي تمنح أي إدارة شرعيتها الأخلاقية والسياسية. حين تنحدر اللغة، ينكشف الارتباك؛ حين يصبح الرد فعلًا انفعاليًا، تتحول المنصة من أداة إدارة أزمة إلى مولّد أزمة بحد ذاتها. الهيبة لا تُصنع بالصوت المرتفع أو العبارات الصادمة، بل بالتماسك، والانضباط، والقدرة على الإجابة حين يكون السؤال حادًا.

التاريخ السياسي لا يدوّن عدد المرات التي صُفّق فيها لأنصارك، بل يدوّن لحظات فقدان الاتزان، اللحظات التي فُقد فيها وزن المنصة الرمزي، والتي يُعاد بثها وتُحلل مرارًا. الدولة التي تُدرّس العالم دروسًا في حرية التعبير والمهنية الإعلامية مطالبة اليوم بأن تراجع مرآتها. الاحترام المؤسسي ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة سيادية.

(5)

حاولي أن تكوني مهذبة..

كل انزلاق في لغة الردود ليس مجرد تفصيل بلاغي. إنه مؤشر على خلل أعمق: خلل في فهم الحدود بين السياسة كإدارة مسؤولة، والسياسة كعرض جماهيري. الدول الكبرى لا تسقط بخطاب واحد، لكنها تتآكل حين يصبح الانزلاق عادة متكررة، وعادة يتم تناقلها عبر الإعلام والذاكرة الدولية. المنصة التي تقفين خلفها أكبر من أي لحظة انفعال؛ إما أن ترتقي بها، أو تكشف هشاشة الخطاب الذي تمثلينه دون قصد.

 الردود الساخرة، التعريض الشخصي، لغة الاستعلاء، والتباهي بالقدرة على المحو ليست قوة، بل علامة على ضعف في فهم المنصب، واختزال للسيادة في لحظة غضب فردية. السياسة الخارجية ليست برنامجًا مناظريًا، والدبلوماسية ليست اختبارًا للجمهور. الدولة القوية لا تحتاج إلى السخرية لإثبات نفسها، ولا إلى التهديد أو الاستعراض لإظهار هيبتها. كل ما تحتاجه هو الانضباط، التماسك، والوعي العميق بالمنصب.

(6)

حاولي أن تكوني مهذبة..

كارولاين ليفِت، ربما ترى في أسلوبك جرأة، لكن الجرأة شيء، والتهور شيء آخر. الفرق بينهما هو وعي المنصب وحدوده، واحترام المنبر الذي يمثل الدولة بأكملها. الرد الساخر لا يضيف وزنًا، والتهكم لا يبني صورة، بل يكشف عن هشاشة الخطاب، ويضعف احترام المؤسسات أمام الرأي العام المحلي والدولي. كل منصة رسمية، وكل كلمة تنطق باسم الدولة، تتحول إلى تاريخ يُحسب، وليس مجرد لحظة عابرة.

إن فقدان المنبر هيبته لا يجرح الصحفيين، بل يكشف عن مستوى الخطاب الذي تمثلينه. وإذا كان هدفك إظهار قوة، فاعلمي أن القوة الحقيقية لا تُقاس بالتهكم أو الردود الاستفزازية، بل بالقدرة على الاحتفاظ بالهيبة المؤسسية تحت كل ضغط، وحماية صورة الدولة من الانزلاق إلى الفوضى الرمزية.

(7)

حاولي أن تكوني مهذبة..

البيت الأبيض ليس ملكًا لمتحدث، ولا منصة لعرض شخصية عابرة. هو رمز دولة، وكل رمز يُقاس بمدى احترامه للمنبر، وللكلمة، وللآخرين، وللتاريخ الذي يرصده العالم. أي انحدار في مستوى الخطاب ليس مجرد حادثة، بل مؤشر على أزمة أعمق في فهم السلطة، المنصب، والدبلوماسية. الصحافة ليست عدوًا، والردود الساخرة ليست قوة، والمنصة ليست ساحة تجربة شخصية.

إما أن ترتقي بها، وتحمي صورة الدولة التي تمثلينها، أو تكشف عن هشاشة الخطاب الرسمي، وتترك أثرًا طويل الأمد في التاريخ السياسي والإعلامي. التاريخ لا يغفر لمن خسر المنبر، ولا يرحم من حوّل منصة دولة إلى ملعب للسخرية والاستعراض.

(8)

أيتها المتحدثة باسم البيت «الأسود» الأمريكي.. حاولي أن تكوني مهذبة.. حاولي وإن كان مستحيلًا عليك وعلى رئيسك الكاوبوي ترامب!!

الأكثر قراءة

z