أحمد مسلم سوحلي جعبوب
"كثوره"، وتعرف أيضاً بشجرة البوهن الأفريقي، وهي شجرة أحادية الجنس متساقطة الأوراق تنتمي إلى فصيلة الخبازيات واسمها العلمي Sterculia africana، وهي شجرة فارعة الجذع، واضحة البنية، يصل ارتفاعها في البيئات المناسبة إلى عشرة أمتار، ذات ساق قائم قوي، ولحاء مميز متعدد الألوان، يتدرج بين الرمادي والبني والعنابي مع مسحات فاتحة، وغالباً ما يكون خشناً ومتشققاً، وهو ما يجعلها مختلفة شكلاً ومظهراً عن معظم نباتات ظفار. التاج واسع نسبيا، والأغصان متفرعة بانتظام، وتبدو الشجرة في مواسم الجفاف شبه عارية، ثم تعود للاخضرار مع هطول الأمطار.
الأوراق كبيرة نسبيا، بسيطة، مفصصة أحيانا، ذات ملمس جلدي، وتظهر غالبا مجتمعة عند أطراف الأغصان. الأزهار صغيرة إلى متوسطة الحجم قرنفلية اللون وأحياناً صفراء إلى حليبية، من الأزهار المذهلة، جميلة جاذبة للنحل والفراشات والطيور، حيث تفرز سائلا سكريا لزجا، وتتفتح الأزهار في شهر يناير حين تكون الشجرة جرداء من جميع الأوراق، والمعروف عن الشجرة أنها نفضية، أي متساقطة الأوراق. الثمار جافة، تتفتح عند النضج في شهر مارس إلى فبراير، وتحمل بذورا مكسوة بزغب.
تفرز الشجرة راتنجا أو صمغا نباتيا تقليديا معروفاً في ظفار، استُخدم محلياً منذ زمن طويل في الغسول كبديل طبيعي للصابون، حيث يُعرف بقدرته على التنظيف وتكوين رغوة كثيفة عند فركه بالماء، وهو استخدام تراثي مرتبط بالبيئة المحلية ومعرفة السكان بالنباتات.


في ظفار، تُعد كثوره من النباتات التي تواجه تهديدا حقيقيا، ويأتي في مقدمة أسباب ذلك الرعي الجائر، إذ إن النموات الحديثة والأفرع الغضة تُلتهم بسرعة من قبل الإبل، مما يمنع الشجرة من التجدد الطبيعي ويؤثر مباشرة في بقاء تجمعاتها على المدى البعيد. هذا الضغط المستمر يجعل كثيرا من الأشجار تبدو هرمة، قليلة التفريع، مع غياب شبه تام للأجيال الجديدة في بعض المواقع.
رغم ذلك، تظل كثوره من أكثر أشجار ظفار لفتا للنظر، بقامتها وشكلها الفريد ولحائها المتلون، فهي شجرة لا تشبه غيرها من نباتات الجنوب العماني، وتمثل عنصرا بصريا وبيئيا مهما في المشهد الطبيعي.
يُعد (كثوره) من النباتات ذات الحضور الواضح في الطب الشعبي الإفريقي، حيث استُخدمت أجزاؤه المختلفة – خاصة الجذور، واللحاء، والأوراق، وأحيانًا الثمار – لأغراض علاجية متعددة. تقليديًا يُستعمل منقوع الجذور كمضاد للديدان المعوية، ولتخفيف آلام الظهر والفتق والدوار، كما يُعرف استخدامه كمنشّط جنسي في بعض المُجتمعات. وتُستخدم الأوراق في علاج السعال وأمراض الصدر والالتهابات الفطرية، وفي حالات التشنجات، بينما يُلجأ إلى غلي الجذور أو اللحاء واستنشاق بخارها لعلاج الحمى ونزلات البرد. كما استُخدم النبات في معالجة آلام ما بعد الولادة وبعض اضطرابات الجهاز الهضمي لدى النساء، وفي تخفيف آلام الحمل والولادة. وفي ممارسات تقليدية أخرى استُخدمت مكونات من الثمار بعد معالجتها لعلاج التهابات العين، خاصة عند الأطفال. وتعكس هذه الاستخدامات معرفة إثنوبوتانية متراكمة عبر أجيال، إلا أنها تبقى ضمن إطار الطب الشعبي، وتحتاج إلى دراسات علمية حديثة لتأكيد فعاليتها وسلامتها وتحديد مركباتها الفعَّالة بدقة.
يتوزع هذا النوع في أفريقيا الاستوائية وشبه الاستوائية، خاصة في شرق وجنوب القارة الأفريقية، أما في شبه الجزيرة العربية فيُعد وجوده محدودا، حيث تستوطن الجنوب العماني، وبالتحديد محافظة ظفار، ضمن نطاقات بيئية معينة تتأثر بالأمطار الموسمية والظروف المناخية الخاصة بالمنطقة، وكذلك توجد في أجزاء من اليمن. وجودها في السلطنة يُعد ذا قيمة نباتية عالية، لكونها من العناصر النباتية الأفريقية التي وجدت موطناً لها في هذا الجزء الفريد من الجزيرة العربية.
إن الحفاظ على هذه الشجرة لا يعني حماية نوع نباتي فحسب، بل صون ذاكرة بيئية ومعرفة محلية، وجزء أصيل من هوية الطبيعة في جنوب السلطنة التي تستحق الانتباه والدراسة والحماية.
