خالد بن حمد الرواحي
بعد أن تناولنا في مقال سابق ظاهرة "الاستقالة الصامتة" كأحد أبرز أشكال انسحاب الموظف النفسي من بيئة العمل، يتجه هذا المقال إلى السؤال الأعمق: ماذا لو كانت المشكلة ليست في رحيل الموظف فحسب؛ بل في عدم قدرة مؤسساتنا على الاحتفاظ بالمواهب نفسها؟ ربما لأن بعض الخسائر لا تُعلن، ولا تُرصد، ولا تُناقَش… لكنها تقع، وتتراكم، وتترك أثرها بصمتٍ.
ليست أخطر خسائر المؤسسات تلك التي تُسجَّل في الميزانيات، ولا تلك التي تظهر في التقارير السنوية؛ بل تلك التي تمر بهدوء: حين يغادر الأشخاص الجيدون بلا ضجيج، ولا شكوى، ولا أثر رسمي يلفت الانتباه. يغادرون لأنهم تعبوا، أو لأنهم لم يعودوا يرون معنى للبقاء، أو لأن المكان لم يعد يعكس ما كانوا يتمنونه لأنفسهم، ولا ما كانوا يريدونه للمؤسسة.
في تجارب مؤسسية عالمية، أدركت بعض الشركات أن الاحتفاظ بالمواهب ليس امتيازًا؛ بل مسؤولية. ليس مجرد حزمة مزايا؛ بل منظومة عدالة ومعنى ونمو. وليست المسألة راتبًا أعلى؛ بل بيئة أصدق. ومن هنا تحوّل السؤال من: كيف نجذب الأفضل؟ إلى: كيف نصنع بيئة يريد الأفضل أن يبقى فيها؟
في كثير من مؤسساتنا الحكومية، لا تكمن الإشكالية في غياب الكفاءات؛ بل في غياب القدرة على الاحتفاظ بها؛ فالكفاءات موجودة، ومتعلمة، وملتزمة، وحريصة، لكنها تصطدم مع الوقت بسقفٍ منخفضٍ من التمكين، أو بمساراتِ نموٍ غامضة، أو بثقافة إدارية لا تكافئ الجهد بقدر ما تكافئ القرب، ولا تحتفي بالأثر بقدر ما تحتفي بالمظهر.
المفارقة أن كثيرًا ممن يغادرون لا يغادرون غاضبين؛ بل مرهقين. لا يحتجون؛ بل ينسحبون. لا يصطدمون؛ بل يتلاشى حضورهم تدريجيًا، حتى يصبح غيابهم طبيعيًا… ثم موجعًا بعد فوات الأوان.
وهنا لا يكون الاحتفاظ الحقيقي هو إبقاء الناس في وظائفهم؛ بل إبقاء الروح في العمل: أن يشعر الموظف أن جهده مرئي، وأن صوته مسموع، وأن مساره واضح، وأن مستقبله في المؤسسة ليس رهينة الصدفة ولا أسير الأمزجة.
وللموظف أيضًا سؤال مشروع: هل أبقى لأنني لا أملك خيارًا آخر؟ أم لأن هذا المكان يمنحني سببًا للنمو، ومعنى للانتماء، وأفقًا للتطور؟ فالبقاء القسري ليس استقرارًا؛ بل تعليقٌ طويل لرحيلٍ مؤجَّل.
إن أخطر ما قد تواجهه مؤسسة هو أن يتحول أفضل موظفيها إلى «حاضرين جسديًا، غائبين نفسيًا»، وأن يصبح الأداء عادة لا شغفًا، وواجبًا لا رغبة، وأن تُدار الملفات بكفاءة بينما تُستنزف الطاقات في صمت.
لذلك، فإنَّ إصلاح ملف الاحتفاظ بالمواهب لا يبدأ من أنظمة الموارد البشرية وحدها؛ بل من عقلية الإدارة نفسها: من وضوح المسارات، وعدالة الفرص، وصدق التقييم، وإنسانية التعامل؛ وربط الفرد بالمؤسسة لا عبر اللوائح فقط؛ بل عبر المعنى.
المؤسسات لا تخسر الجيدين لأنهم طموحون أكثر من اللازم؛ بل لأنها لم تكن واسعة بما يكفي لاحتضان هذا الطموح. ولا تفشل لأنها بلا كفاءات؛ بل لأنها لم تُحسن أن تقول لها: ابقِ… نحن نراك، ونحتاجك، ونكبر بك.
وحين تنجح مؤسسة في أن تقول هذه الجملة بصدق، لا عبر الشعارات؛ بل عبر الممارسة، فإنها لا تحتفظ بالموظفين فقط؛ بل تحتفظ بذاتها وذاكرتها وقدرتها على الاستمرار؛ فالمواهب ليست موردًا يُستهلك، وإنما أمانة تُصان، ومن يُحسِن صونها يربح المستقبل قبل أن يصل إليه.
