المجالس العلمية والصالونات الثقافية ودورها في الحركة الفكرية والثقافية

 

 

د. سعيد بن سليمان العيسائي **

1. المجالس العلمية

عُدنا إليك أيها القارئ العزيز بمقال له صِلةٌ وثيقةٌ بالفكر والثقافة والأدب، إنه حديث عن المجالس العلمية والصالونات الثقافية ودورها في الحركة الفكرية والثقافية، وسوف نتحدث فيه عن أسواق العرب في الجاهلية باعتبارها النواة الأولى، والبدايات الأولى لموضوعنا، ثم سنتحدث عن المجالس العلمية، وهذا سيكون في الحلقة الأولى من مقالنا.

أما الحلقة الثانية فقد خصصناها للحديث عن الصالونات الثقافية ونشأتها في أوروبا وفرنسا منها على وجه التحديد، وكيف انتقلت إلى العالم العربي والقاهرة على وجه الخصوص، ثم نشير إلى الرابطة القلمية، والعصبة الأندلسية باعتبارهما أحد أشكال الصالونات الثقافية، وسنبدأ حديثنا في حلقة المجالس بأسواق العرب في الجاهلية.

كانت أسواق العرب في الجاهلية تجمعات تجارية واجتماعية وثقافية، كانت تنعقد في أماكن مختلفة في شبه الجزيرة العربية بطريقة دورية، ويأتيها العرب من كل الأرجاء، فيتاجرون ويتفاخرون، كما كانوا يتناشدون الشعر، ويتحاكم مبدعوه إلى كبارهم، كالنابغة الذبياني، الذي كانت تضرب له قبة حمراء مِن أدم، فيحكم بين الشعراء، وتكون كلمته هي الفاصلة.

وكانت القصائد التي تحوز إعجاب هؤلاء المحكمين تطير في أرجاء الجزيرة، ويتناشدها العرب في كل مكان، ومِن أشهر أسواق العرب في الجاهلية سوق عُكاظ، وسوق مَجَنَّة، وسوق ذِي المجاز، وسوق دُومة الجندل، وسوق المشقر، وسوق عُمان، وسوق صُحار، وسوق المربد.

وننتقل الآن إلى الموضوع الثاني مِن الحلقة الأولى، ألا وهو مجالس العلماء.

أدرك عدد مِن الأدباء والمؤرخين العرب المسلمين أهمية هذه المجالس وقِيمتها الحضارية، فألفوا كُتبًا تتناول ما كان يدور فيها مِن وقائع علمية وأدبية مثل عبد الرحمن الزجاجي (ت 340هـ)، الذي ألف كتابًا بعنوان: "مجالس العلماء"، عَرَضَ فيه العشرات مِن المجالس العامة، التي كانت تعقد في بلاط بعض الخلفاء والأمراء والوزراء والعلماء، في اللغة والأدب والتاريخ والفقه.

ومثل جلال الدين السيوطي (ت 911هـ) الذي خصص فصلًا كبيرًا في الجزء الثالث مِن كتابه المشهور: "الأشباه والنظائر" للحديث عما أطلق عليه اسم "المناظرات والمجالسات والفتاوى والمكاتبات والمراسلات".

كما أشارت إلى هذه المجالس كتب الأدب مثل كتاب: "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، وكُتب التراجم مثل كتاب: "وفيات الأعيان" لمؤلفه ابن خلكان، وكتب "الطبقات" مثل كتاب: "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" للقفطي.

ومِن هذه الكتب التي تتحدث عن مجالس العلماء كتاب: "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، والكتاب يروي ما حدث في سبع وثلاثين ليلة قضاها أبو حيان التوحيدي في مُنادمة الوزير: أبي عبد الله العارض وزير ضمضام الدولة ابن عضد الدولة البويهي، جمعها التوحيدي، وأهداها للمهندس أبي الوفاء البوزجاني، الذي وصلهُ بالوزير أبي عبد الله، ويتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء.

بدأ هذا التقليد الذي هو المجالس العلمية في العصر الأموي، وازدهر في العصر العباسي.

ومِن أشهر مجالس العلم عند العلماء العُمانيين، مجلس الخليل بن أحمد الفراهيدي العُماني، الذي تلقى العلم على يديه العديد مِن العلماء الذين أصبح لهم شأن عظيم في اللغة، ومنهم سيبويه، والليث بن المظفر الكناني، والأصمعي، والكسائي، والنضر بن شميل، وهارون بن موسى النحوي، ووهب بن جرير، وعلي بن نصر الجهضمي.

ومِن أشهر مجالس العلم للعلماء العُمانيين في العصر الحديث، مجلس الإمام الخليلي في نزوى، الذي دَرَسَ على يديه تلامذة كثيرون، حملوا عنه العلم، وأصبحوا أعلامًا في التدريس والقضاء والسياسة.

ومِن أشهر مجالس العلم للعلماء العُمانيين في العصر الحديث بعُمان، كذلك مدرسة الشيخ حمود بن حميد الصوافي، التي تأسست عام (1394هـ / 1974م)، واستمر الشيخ حمود ينفق على الطلبة الذين يأتون مِن العديد مِن الولايات لدراسة العلوم الدينية واللغوية مِن ماله الخاص (من جيبه الخاص) إلى أن تكفل السلطان الراحل بالمدرسة وطلابها، وأصبح ينفق على المدرسة وطلابها من ديوان البلاط السلطاني.

وقد أشرنا إلى مجالس العلم في عُمان في بحثين: الأول: هو "السبلة العُمانية" ودورها الحضاري والثقافي، إيمانًا بالدور العلمي والتعليمي والثقافي للسبلة. والبحث الآخر: هو "مؤسسات التعليم" الديني في عُمان، القلاع والحصون العُمانية أنموذجًا، الذي قَدَّمْتُهُ في ندوة مؤسسات التعليم الديني بجامعة السلطان قابوس عام 2001.

ومِن أشهر مجالس الحكام في العصر الحديث (المجالس الحسنية) التي كان يُقيمها المغفور له الملك الحسن الثاني، ملك المغرب السابق في شهر رمضان، ويدعو إليها العلماء المسلمين مِن مُعظم دُول العالم الإسلامي.

وقبل الدخول في الحديث عن الصالونات الثقافية في العصر الحديث، نَرَى أنه من الضروري الإشارة إلى صالون السيدة سكينة بنت الحسين، التي كانت من أوائل النساء اللاتي أسسن صالونات ثقافية في الحجاز في العصر الأموي.

ويمكن القول إن هذا الصالون يمكن اعتباره مجلس علم أسسته سيدة؛ لأن مصطلح الصالون، لم يكن معروفًا في ذلك الوقت.

ويُقال إنَّ ولادة بنت المستكفي (994هـ – 12 مارس 1091م) الأميرة الأندلسية، والشاعرة العربية من بيت الدولة الأموية في الأندلس، كان لها مجلس (صالون) مشهور في قرطبة، يؤمه الأعيان والشعراء ليتحدثوا في شؤون الشعر والأدب.

ولقد كتبتُ عنها، وعن علاقتها بالشاعر ابن زيدون، مقالًا في الملحق الثقافي لجريدة عُمان، عندما كنت طالبًا في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.

2. الصالونات الثقافية:

ننتقل الآن للحديث عن الصالونات الثقافية ودورها في الحركة الفكرية والثقافية؛ إذ تمثل الصالونات الثقافية تجمعات فكرية وأدبية يجمع المثقفين والأدباء والكُتَّاب والفنانين؛ لمناقشة قضايا الأدب والفكر والفنون، وكانت وما تزال نافذة حيوية على الفكر التقليدي والمعاصر.

وتعود كلمة (صالون) إلى الإيطالية (Salone) التي تعني قاعة كبيرة، ثم انتقلت إلى الفرنسية (Salon) بنفس المعنى، ومنها إلى لغات أخرى، وتوسع معنى الكلمة ليشمل "غرفة الاستقبال" ثم التجمع الفكري والأدبي.

وكلمة (Salone) الإيطالية تعني (قاعة)، والتي تعود بدورها إلى أصول جرمانية وهندوأوربية قديمة بمعنى (مسكن) أو (قاعة)، واستخدمت كلمة (Salon) في الفرنسية في القرن السابع عشر بمعنى (غرفة الاستقبال الكبيرة). وفي القرن التاسع عشر أصبح المعنى يشير إلى التجمعات الفكرية للأشخاص الأنيقين التي كانت تقعد في هذه الغرف.

نشير إلى أنَّ أول من أسس الصالونات في إيطاليا الماركيزة، والرائدة في عصر النهضة الإيطالية إيزابيلا ديستيه (1474-1539)، وقد كان لها أثر في الحياة الثقافية، والتحول السياسي.

وانتشرت الصالونات الأدبية في فرنسا، ومنها على سبيل المثال صالون الكاتبة مادلين دي سكوديري (1607 – 1701)، ثم الصالون الأدبي الذي أسّسه الكاتب فالنتين كونرار عام 1629، ومن رَحِمِ هذا الصالون، وُلِدَت فكرة الأكاديمية الفرنسية، وصالون "بروكوب" الذي ارتاده فيما مضى المفكر والكاتب الشهير فولتير وقادة الثورة الفرنسية.

وسنبدأ بالصالونات الأدبية والثقافية في العالم بادئين بالأقل شُهرة في لبنان وسوريا والقاهرة.

من أوائل الصالونات الأدبية صالون: "جولي اطعمة دمشقية" في بيروت، وفي أربعينيات وخمسينيات القرن أقامت الأديبة اللبنانية سلمى صائغ، صالونها الأدبي في بيتها في بيروت؛ حيث استقبلت العديد من الكُتَّاب والشعراء من لبنان والعالم، كذلك فعلت الكاتبة السورية مريانا المراشي في حلب.

وكانت أوليفا عويضة عبد الشهيد أول شاعرة صعيدية مصرية من عائلة قبطية تُحول بيتها إلى صالون أدبي أسمته "المعقل الأشهب".

وإذا انتقلنا إلى أشهر وأقدم الصالونات الثقافية والأدبية في القاهرة، فإنه تجدر الإشارة إلى صالون الأميرة نازلي فاضل؛ حيث عُقِدَ في أواخر القرن التاسع عشر، وكان يجمع المثقفين البارزين مثل الإمام محمد عبده، وسعد زغلول، ومحمد المويلحي، وكانت تُناقش فيه العديد من القضايا الفكرية والثقافية والأدبية والاجتماعية والسياسية.

ومن أوائل الصالونات الشائعة في القاهرة، صالون قوت القلوب الدمرداشية (1892- 1968)، وهي كاتبة مصرية باللغة الفرنسية، هاجرت لأوروبا، وماتت هناك، وهي ابنة لأحد شيوخ التصوف في مصر، وهو عبد الرحيم الدمرداش مُؤسس الطريقة الدمرداشية، ولها مجموعة من الروايات باللغة الفرنسية.

ومن أشهر صالونات القاهرة صالون مي زيادة، والتي وُلِدت عام 1886، واسمها ماري إلياس زيادة، من الناصرة بفلسطين من أب لبناني، وأم فلسطينية، واختارت لنفسها اسم "مي" فيما بعد.

في سنة 1913، انعقد صالون مي زيادة للمرة الأولى في القاهرة، واعتادت هي أن تقيم صالونها الأدبي يوم الثلاثاء من كل أسبوع لمدة عشرين عامًا مُتواصلة. وشَهِدَ الصالون حُضورًا مميزًا مِن قِبَلِ العديد من المفكرين المصريين والعرب، منهم: اسماعيل صبري، وأحمد لطفي السيد، ورشيد رضا، ومصطفى عبد الرزاق، والأمير مصطفى الشهابي، ويعقوب صروف، وشبلي شميل، وسلامة موسى، وعباس محمود العقاد، وأحمد شوقي، وخليل مطران، ومصطفى صادق الرافعي.

وشَهِدَ الصالون العديد من النقاشات المثمرة في مجالات الأدب والفكر والشعر والسياسة، وحَظِي بإشادة المثقفين والشعراء.

ومن الصالونات الشهيرة في القاهرة كذلك صالون: عباس محمود العقاد؛ حيث كان عباس محمود العقاد يعقد هذا الصالون بمنزله بحي مصر الجديدة في الفترة الصباحية من يوم الجمعة، ويمتد لِعِدَّةِ ساعات، وكان أول من كَتَبَ عنه هو: أنيس منصور في كتابه: "في صالون العقاد كانت لنا أيام"، ومن أشهر رُوَاد هذا الصالون: محمد خليفة التونسي، وأحمد إبراهيم الشريف، ومحمد طاهر الجبلاوي، وعبد الفتاح الديدي، وأنيس منصور، وطاهر الطناحي وعبد الرحمن صدقي، ونظمي لوقا، وصوفي عبد الله، والعوضي الوكيل.

ومن أشهر الصالونات الثقافية والأدبية في القاهرة أيضًا: صالون الدكتور طه حسين، وكان صالون الدكتور طه حسين الثقافي في منزله بمنطقة الهرم في محافظة الجيزة، وهو الفيلا التي انتقل إليها في الهرم، وَمَكَثَ فيها من عام 1955 حتى وفاته عام 1973، والتي أطلق عليها اسم (رامتان)، كان الصالون يحتضن لقاءات مثقفين وأساتذة جامعات وأدباء، كما شَهِدَ تسجيل البرنامج التليفزيوني الشهير: "نجمك المفضل" الذي قدمته ليلى رستم.

تولى الدكتور طه حسين الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، وكان يُلْقِي محاضرات في الأدب العربي بمعهد البحوث والدراسات بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية، ويُقال إنه سَعَى في تأسيس معهد البحوث والدراسات العربية، ومعهد المخطوطات العربية عندما كان رئيسًا للجنة الثقافية بالجامعة العربية.

جدير بالذكر أنه تُوجد صالونات ثقافية بالقاهرة في الوقت الحالي، كصالون الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وصالون الدكتور محمد حسن عبد الله، كما لاحظنا أنَّ معظم أصحاب الصالونات في العصر الحديث هُنَّ مِن النساء.

ونختم مقالنا بالحديث عن بعض الجمعيات الأدبية التي أسسها مُهَاجرون عرب خارج بلدانهم، ومن أشهر هذه الجمعيات: "الرابطة العلمية" التي أسسها أدباء مهاجرون سوريون ولبنانيون في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الإمريكية عام 1920م.

بدأت فكرة الرابطة العلمية عام 1916 إلا أنها تأسست رسميًا عام 1920 في نيويورك على يد نخبة من الأدباء، وكان من رُمُوزِهَا. جبران خليل جبران، ونسيم عريضة، وميخائيل نعيمه، وإيليا أبو ماضي.

وتأتي أشهر هذه الجمعيات الأدبية "العصبة الأندلسية" التي هي حلقة من حلقات الأدب العربي، وهي رابطة أدبية، تألفت في مدينة "سان باولو" بالبرازيل في مطلع يناير عام 1933 من الكُتَّاب والأدباء العرب في تلك البلاد، نَفَّذَ فكرتها الشاعر اللبناني المهاجر ميشيل معلوف، ودعمها هو شخصيًا بالبذل والرعاية، وترأسها، ثم تولى رئاستها الشاعر القروي رشيد سليم الحوري، بداية من عام 1958.

ويُقال لشعراء الرابطتين شعراء المهجر في العصر الحديث. ويُقال لشعرهم شعر المهجر في العصر الحديث، وتُدرَّس هاتان الرابطتان في العديد من مدارس وجامعات الوطن العربي.

** كاتب وأكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z