سيف بن حميد الجابري
أساس الإبداع والتميز والتفرّد، وموردًا متجددًا للاقتصاد والتنمية المستدامة، وداعمًا للحركة الاجتماعية، وركيزة أساسية تقوم عليها الدول اليوم، وتعد الصناعات الإبداعية الثقافية واحدة من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي؛ حيث تجمع بين الفنون والثقافة والابتكار وغيرها، مما يجعلها محورًا أساسيًا لتعزيز الهوية الثقافية وتحقيق التنمية المستدامة.
وتؤكد رؤية "عُمان 2040" في أولوية المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية على أهمية تحقيق استثمار مستدام للتراث والثقافة والفنون، مما يساهم بشكل فاعل في النمو الاقتصادي والاجتماعي. فالسلطنة ماضية في طريق الاهتمام بهذه الصناعات بشكل كبير، نظرًا لما حققته وستحققه مستقبلًا من مكاسب كثيرة ومتنوعة تعود على بناء نهضة الوطن بشكل فعّال وإيجابي.
وعند استعراض مصطلح الصناعات الإبداعية الثقافية، نجد أنه يشير إلى القطاعات الاقتصادية التي تستمد قيمتها من الإبداع والمعرفة الثقافية. ووفقًا لليونسكو، تضم هذه الصناعات المجالات التي تعتمد على المهارات الإبداعية والتعبير الثقافي، مما يجعلها محركات رئيسية للتنوع الثقافي والحوار بين الشعوب. وعند مقارنة ما حققته الدول الخليجية المجاورة للسلطنة، مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي قطعت شوطًا كبيرًا ومتقدمًا في قطاع الصناعات الإبداعية الثقافية، يظهر الفارق جليًا في التأثير الذي أحدثته هذه الصناعات.
ووسائل التواصل الاجتماعي تعد مثالًا واضحًا نلاحظ فيه هذا الفارق، مع الأخذ في الاعتبار الفروقات في الإمكانيات الاقتصادية والجغرافية والسكانية لهذه الدول، إضافة إلى اختلاف التوجهات الثقافية. من جانب آخر، تواجه الصناعات الإبداعية الثقافية العديد من التحديات رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها. من أبرز هذه التحديات نقص التمويل؛ حيث تحتاج بعض المشاريع الإبداعية إلى دعم مادي كبير.
ويعود ذلك إلى أن أغلب شركات هذه الصناعات تندرج تحت القطاع الخاص، والذي غالبًا ما يعاني من نقص الميزانيات الكبيرة اللازمة لإحداث تغيير جذري في هذا القطاع الذي يتطلب استثمارات ضخمة. كما أن غياب التشريعات الواضحة والمحددة لهذا القطاع يعد تحديًا بالغ الأهمية، حيث يؤدي ذلك إلى تشتت الجهود والسير في مسارات غير واضحة ومبهمة.
من جهة أخرى، تؤدي التكنولوجيا دورًا كبيرًا في تعزيز الصناعات الإبداعية الثقافية، فقد أحدثت التكنولوجيا الرقمية ثورة كبيرة في هذا المجال، من خلال تسهيل الوصول إلى الجمهور، وتطوير أدوات مبتكرة للإنتاج والتسويق. ويعد الذكاء الاصطناعي وتقنيات الواقع الافتراضي مثالًا واضحًا على ذلك، حيث تمثل هذه الأدوات وسيلة لإعادة تصور الفنون والتراث الثقافي بشكل إبداعي وغير محدود.
ختامًا.. قد يُنظر إلى الصناعات الإبداعية الثقافية من زاوية اقتصادية فقط، لكنها في الحقيقة تمثل نافذة للتعبير عن هوية الأمم وإبداعاتها الثقافية، لذا يجب الاستثمار في هذا المجال بشكل كبير جدًا، لتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة. كما يجدر البحث عن آفاق التعاون وتعزيز الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص لدعم المبدعين وضمان استدامة هذا القطاع الحيوي والقوي بإيراداته، المادية والثقافية والمعنوية وغيرها.
