خالد بن حمد الرواحي
نحبُ القصص التي تنتهي عند الحافة، ونُفضِّل الحكايات التي يصل فيها المشروع إلى آخر دقيقة، والفريق إلى آخر طاقته، والقائد إلى آخر أعصابه… ثم يحدث الإنجاز! نحتفي بالنجاة أكثر مما نحتفي بالحكمة، ونصفّق للعبور أكثر مما نصفّق لمن جعل العبور غير ضروري من الأساس.
وفي هذه القصص تحديدًا، يبدو الضغط بطولة، والإرهاق إخلاصًا، والعمل حتى الإنهاك دليل انتماء. ويصبح السؤال ليس: لماذا وصلنا إلى هذه اللحظة؟ بل: من أنقذنا فيها؟ ومن تحمّل أكثر؟ ومن سهر أطول؟ وهكذا تتحوّل "اللحظة الأخيرة" من حالة استثنائية إلى معيار ضمني للقيمة.
وفي بعض التجارب العالمية، ظهر توصيف دقيق لهذه الحالة باسم "مسيرة الموت"؛ تلك المرحلة الأخيرة التي تُستنزف فيها الطاقات لإنقاذ ما كان يمكن إنجازه بهدوء لو أُدير الزمن بوعي منذ البداية. سُمّيت كذلك لأنها لا تُنهي المشروع، بل تُنهك ما حوله: الطاقة، والمعنى، والاستدامة، وأحيانًا الإنسان نفسه.
وقد تكون هذه المرحلة مبرَّرة حين تقع الأزمات فعلًا: ظرف طارئ، أو تغيير مفاجئ، أو كارثة غير متوقعة، أو قرار استراتيجي عالي المخاطرة تمّ بوعي كامل. هنا يكون الضغط عبورًا مشروعًا، والإنقاذ فعل مسؤولية. لكن الخطير أن تتحوّل هذه الحالة إلى نمط عمل متكرر، تُدار به المشاريع، وتُبنى عليه التوقعات، ويُقاس به الإخلاص والنجاح.
حين تتحوّل البطولة من منع الوصول إلى الحافة إلى النجاة عند الحافة، نكون قد غيّرنا معيار النجاح دون أن نشعر. نُكافئ من أطفأ الحريق، ونتجاهل من بنى نظامًا لا يشتعل فيه الحريق من الأساس. نحتفي بمن أنقذ السفينة من الغرق، وننسى من صمّمها لتطفو.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، تبدأ المنظومة بالتكيّف مع الخلل بدل إصلاحه. تصبح الفوضى مألوفة، والتأجيل معتادًا، والتراكم مقبولًا، ثم يصبح الضغط هو القاعدة لا الاستثناء. ومع الوقت، لا تُقاس جودة المؤسسة بقدرتها على الإنجاز المستدام، بل بقدرتها على الصمود تحت الضغط… وكأن الصمود أصبح غاية لا وسيلة.
وفي بيئات العمل الإبداعية خصوصًا، يُغري هذا النمط أكثر؛ لأن الإبداع يحب الحرية، ويكره القوالب، ويقاوم التخطيط الجامد. لكن بين التخطيط الصلب والتخطيط الغائب، مساحة واسعة من الحكمة المرنة: وضوح في الاتجاه، مرونة في التنفيذ، وانضباط في إدارة الزمن قبل أن يتحوّل إلى خصم.
المشاريع التي تترك أثرًا حقيقيًا لا تُدار بمنطق اللحظة الأخيرة، بل بمنطق الرحلة المتكاملة. لا تقوم على البطولة الفردية، بل على النضج المؤسسي. ولا تحتاج أن تُنقَذ، لأنها بُنيت منذ البداية لتصل.
ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف الشجاعة في العمل. ليست الشجاعة أن نصل رغم كل شيء، بل أن نبني طريقًا لا يُضطرنا للوصول ونحن منهكون. ليست في أن ننجو، بل في أن نُحسن التصميم، ونُحسن التوقيت، ونُحسن إدارة الطاقة قبل أن تُستنزف؛ فالإنجاز في اللحظة الأخيرة قد يكون شجاعة… نعم. لكنه، في كثير من الأحيان، علامة على خلل تأخرنا في الاعتراف به.
