حمود بن سعيد البطاشي
هناك لحظات في عمر الأوطان يصبح فيها الصمت خيانة، ويغدو التردد عبئًا، ويكون القرار الشجاع هو الفارق بين الجمود والانطلاق. وملف التوظيف اليوم لم يعد أزمة عابرة، بل تحوّل إلى جرح مفتوح يتسع بصمت، فيما نكتفي بمسكنات مؤقتة لا تعالج أصل الداء.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح ومسؤولية:
هل آن الأوان لفتح باب التقاعد لمن أكمل ثلاثين عامًا في الخدمة، وإحالة من بلغ الخامسة والخمسين إلى التقاعد، في جميع القطاعات الحكومية والخاصة؟
هذا الطرح لا ينطلق من نزعة إقصائية، ولا يحمل انتقاصًا من جيل خدم وبذل، بل يأتي في إطار إعادة ترتيب عادلة لدورة الحياة الوظيفية، تحفظ كرامة من أعطى، وتمنح فرصة حقيقية لمن ينتظر.
ثلاثون عامًا من الخدمة ليست رقمًا إداريًا جامدًا، بل عمر مهني كامل؛ عمر من الالتزام، والانضباط، وتحمل المسؤولية، وترك الأثر في مُؤسسات الوطن. وبعد هذا العطاء الطويل، لا يكون التقاعد خسارة، بل تكريمًا مستحقًا وانتقالًا طبيعيًا من موقع التنفيذ اليومي إلى مساحة أوسع للحكمة والخبرة.
غير أنَّ الواقع يكشف مفارقة مؤلمة؛ آلاف الشباب يقفون عند بوابة الانتظار، لا لقصور في الكفاءة، ولا لضعف في التأهيل، بل لأن الزمن الوظيفي متوقف، والدورة الطبيعية للحياة المهنية معطلة. هنا لا نتحدث عن بطالة فقط، بل عن اختناق زمني يجمّد الطاقات ويهدر الفرص.
نحن أمام أزمة عدالة زمنية؛ جيل ينتظر فرصته الأولى، فيما جيل آخر تجاوز ذروة العطاء، لكنه ما زال يشغل المساحة كاملة، لا بإرادته، بل بسبب غياب قرار وطني واضح يعيد التوازن بين الاستمرار والتجديد.
إحالة من بلغ الخامسة والخمسين إلى التقاعد ليست قسوة، بل قراءة واقعية لدورة الإنتاج. فالعالم أدرك أن الإنتاجية لا تُقاس بطول البقاء، بل بقدرة المؤسسات على التجدد، وضخ دماء جديدة تواكب متغيرات العصر وتحدياته.
والتقاعد في هذا السياق لا يعني الإقصاء، بل تحرير الخبرة من قيود الروتين، وتحويلها إلى طاقة استشارية أو تدريبية أو معرفية، تُنقل للأجيال بدل أن تُحتكر داخل المكاتب، وبما يحفظ مكانة المتقاعد وكرامته.
الأخطر من استمرار الوضع الحالي أنه لا يخلق بطالة فحسب، بل يولد احتقانًا اجتماعيًا صامتًا. شباب يحملون الشهادات والطموحات، لكنهم محاصرون بانتظار طويل يقتل الإبداع قبل أن يولد، ويضعف الانتماء بدل أن يعززه.
الأمن الوظيفي لا يُبنى على التكدس، بل على التوازن. والاستقرار المؤسسي لا يتحقق بإغلاق الأبواب، بل بتنظيم الدخول والخروج بعدالة وإنصاف، يراعي مصلحة الفرد والمجتمع معًا.
فتح باب التقاعد بعد ثلاثين عامًا من الخدمة، وإقرار سن الخامسة والخمسين كسقفٍ وظيفي، ليس قرارًا اقتصاديًا فقط، بل قرار أخلاقي وتنموي؛ أخلاقي تجاه من خدم فأحسن، وتنموي تجاه من ينتظر فلا يُرى.
الأوطان لا تُدار بالعواطف، بل بالحكمة، ولا تُبنى بالمجاملة، بل بالقرارات التي قد تكون مؤلمة للبعض، لكنها منقذة للجميع. ولسنا بحاجة إلى مزيد من اللجان المؤجلة بقدر حاجتنا إلى قرار شجاع يعترف بأن التكدس الوظيفي عائق تنموي، وأن فتح باب التقاعد ليس خسارة، بل استثمار طويل الأمد في الإنسان والاقتصاد.
الوظيفة ليست ملكًا دائمًا، بل أمانة زمنية. ومن الحكمة أن نعرف متى نُؤديها، ومتى نُسلمها لمن بعدنا، ليبدأ غيرنا كما بدأنا يومًا.
التقاعد ليس نهاية الخدمة…
بل بداية عدالة غابت طويلًا.
