قراءة في «بُعثتُ من الرماد» للروائية أماني عز الدين

 

 

من الرماد إلى الوعي

 

شيرين النوساني

 

في كل مرة ينهض فيها الأدب لينبثق من رحم المعاناة، لا يقتصر على سرد حكاية ألم، بل يعيد طرح سؤال الوجود الإنساني من جديد: كيف يمكن للإنسان أن يبعث من رماده، وأن يولد من جديد بعد الاحتراق؟ من هذا السؤال الوجودي، تنطلق رواية «بُعثَتُ من الرماد» للكاتبة المصرية أماني عزّ الدين، بوصفها نصًا سرديًا يتعمق في فكرة الانبعاث لا باعتباره لحظة خلاص مفاجئة، بل مسارًا داخليًا طويلًا، تتشكل منعطفاته عبر ذاكرة تحفر في الماضي، وخسارة تفتح جراحًا، وإعادة تعريف الذات التي تتبلور في صمت الألم وصخب المواجهة. إنها رحلة البحث عن الجوهر الذي يصمد بعد أن يلتهم اللهيب كل ما عداه.

يفتح اختيار العنوان بصيغة المبني للمجهول «بُعثت» أفقًا تأويليًا ثريًا ولافتًا؛ ففعل البعث هنا لا يصدر عن إرادة فردية صلبة مطلقة، بل ينبثق عبر شبكة معقدة من القوى: حكمة موروثة، حب مؤجل، ذاكرة مثقلة بالحكايات، وألم يتحول تدريجيًا إلى إدراك ورؤية. فآسيا، بطلة الرواية، لا تُقدَّم كبطلة تقليدية تواجه العالم وتصارعه وتنتصر عليه، بل تُعرض كفضاء إنساني تتحرك داخله أسئلة الهوية والأنوثة والتحرر، وتتقاطع فيه الأزمنة والتجارب والأطياف والجراح.

تلعب الأمكنة في الرواية دورًا يتجاوز الإطار الوصفي الجامد، لتغدو كيانات دلالية حية فاعلة. بيت الجدة «غنيمة» لا يقتصر على كونه مجرد فضاء عائلي، بل يصير استعارة للتراث بثقله وقيوده الصارمة مع حنانٍ يخفي حكايات حب مؤجلة. بينما يتحول بيت الزوجية مع «حلمي» إلى سجن رمزي، يُختزل فيه وجود آسيا في دور اجتماعي وظيفي، وتُجرد العلاقة الزوجية من بعدها وحميميتها الإنسانية لتصبح مجرد لقب مجوف، فارغ من مضمونه، لا يعترف بالذات ولا بالمشاعر بل ويصادر الأحلام.

ولا تقف الرواية عند حدود التجربة الفردية، بل تنسج سردية ثلاثية للأجيال النسائية، تمتد من الجدة إلى العمة وصولًا إلى الحفيدة. الجدة «غنيمة» التي تجسد القوة التقليدية التي تخفي عاطفتها خلف قناع القسوة، والعمة «رقية» التي تمثل المرأة المثقفة التي دفعت ثمن الطموح عزلةً ووحدة عاطفية، بينما تأتي الحفيدة «آسيا» بوصفها جيلًا لا يرفع شعار القطيعة مع الماضي، بل يسعى إلى إعادة إنتاجه بوعي نقدي. يتجسد هذا الوعي بوضوح في مشروعها لإحياء الأزياء التراثية، حيث تتحول الخياطة الموروثة من مجرد حرفة تقليدية إلى فعل إبداعي معاصر، يزاوج بين أصالة التراث وروح الحداثة بذكاء فريد، ويؤكد أن التحرر الحقيقي لا يتحقق باجتثاث الجذور، إنما بتطعيم ما تبقى منها بحياة جديدة.

تبلغ الرواية ذروة حساسيتها وعمقها عند تناولها أزمة العقم؛ حيث يُختزل جسد المرأة في وظيفته البيولوجية وقدرته على الإنجاب. فالنص يرفض هذا الاختزال، ويعيد تعريف مفهوم الأمومة ليتجاوز هذا التصوير المسطح، حين يطرحها بوصفها فعلًا إبداعيًا يتحقق عبر الفن والعمل، فيغدو الفن فعل ولادة روحي بديل، ويصير الإنجاز المهني مساحة خصبة لتعويض الفقد وإعادة بناء المعنى من بين الرماد والركام.

تعتمد أماني عزّ الدين في سردها على صوت داخلي هادئ، تحل فيه المونولوجات محل الحوارات الصاخبة، مما يسمح لوعي الشخصية الرئيسية أن يتشكّل تدريجيًا أمام أعين القارئ. التفاصيل الحسية في الرواية- من البحر والعطر، إلى النوافذ والصمت- لا تقتصر على أداء وظيفة جمالية فحسب، بل تحمل شحنات نفسية ورمزية عميقة، حيث يتحول البحر إلى أفق تتوق من خلاله إلى الحرية، وتغدو النافذة مساحة انتظار وتأمل ولقاء مع الذات، لا مجرد فتحة في الجدار.

ولا تُصوَّر الحرية في الرواية بوصفها فعل هروب من الماضي أو من علاقة عاطفية فاشلة، بل هي عودة واعية إلى الذات بعد تفكيك الجراح وفهمها. عودة آسيا إلى بيت جدتها ليست ارتدادًا إلى الخلف، بل استعادة؛ استعادة للذاكرة بوصفها مصدر قوة لا عبئًا يثقل الكاهل. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في موقفها النهائي حين ترفض استعادة علاقة تقوم على الشفقة أو الترتيب الثانوي، مُدركة أن الحب إذا سقط من الداخل لا يمكن إنقاذه بالمساومات، بل يُدفن بكرامة ليفسح المجال لولادة جديدة.

في المشهد الختامي، يكتمل معنى الانبعاث عبر الصندوق الذي تركته الجدة، بما يحويه من رسائل وصورة وسوار، ليؤكد أن الإرث الحقيقي لا يكمن بالضرورة في الممتلكات، بل في الحكمة والحب الصامد والذاكرة التي تصون الهوية.

هكذا تقدم "بُعثت من الرماد" نموذجًا متوازنًا للإنسانية، لا يرفض الماضي جملةً ولا يعاديه ولكنه أيضًا لا يمجده، بل يحاوره بوعيٍ نقدي ويُعيد تشكيله وصياغته ليصبح طاقة للحياة ووقودًا للتجدد. فالرواية تبتعد عن الخطاب الحاد والشعارات القاطعة، وتنزع نحو البحث عن مسار وجودي خاص، حيث تتحول الذاكرة إلى مصدر قوة، والألم إلى جسر عبور نحو النضج، والهوية إلى مشروع بناءٍ دائم ومستمر، يحاور الماضي ليخلص جوهره ويستأنف الحياة من جديد.

إنها رواية تهمس في أذن القارئ بأن التحرر الحقيقي لا يكمن في كسر القيود وحده، بل في امتلاك الشجاعة لالتقاط الخيط المكسور وحياكته من جديد، لكن هذه المرة وفق تصميم الذات لا وفق ما يُفرض عليها. وهكذا، يصير الرماد نفسه المادةَ الأولية لتشكُّل وعيٍ جديد، وانبعاثٍ لا ينتهي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z