محمد بن علي بن ضعين البادي
في دهاليز السياسة الدولية، ثمَّة قاعدة غير مكتوبة تقول: "إذا تداعت أركان بيتك من الداخل، فاصنع عدوًا يتربص بك عند الباب". هذا ليس مجرد تكتيك عابر؛ بل هو فلسفة "تصدير الأزمات" التي تمارسها القوى الكبرى والكيانات المأزومة حين يضيق الخناق عليها في الداخل. واليوم، تبرز "إيران" في الخطاب السياسي لواشنطن وتل أبيب كأداة وظيفية، تتجاوز كونها خصمًا إقليميًا لتصبح "شماعة" يُعلق عليها الفشل السياسي والتَّمزق المجتمعي.
إنَّ ما يحدث في شوارع تل أبيب من انقسامات عميقة، وما يضج به الداخل الأمريكي من احتجاجات طلابية وتوترات اجتماعية، يعكس أزمة شرعية وبنية مُتهالكة. وهنا، تبرز الحاجة إلى "الخطر الوجودي" كأداة لضبط الإيقاع الداخلي. يتم استدعاء "الخطر الإيراني" لا بصفته تقييمًا استراتيجيًا موضوعيًا، بل بوصفه مخدرًا سياسيًا يُراد به تخدير الوعي الجمعي، وحشد الشتات الوطني خلف قيادات عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لمُواطنيها.
في إسرائيل، لم تعد إيران مجرد ملف أمني، بل صارت "ضرورة بقاء" للحكومات المأزومة. ففي الوقت الذي يتشظى فيه المجتمع الإسرائيلي وتتآكل فيه الثقة بين الشارع والمؤسسة الحاكمة، يأتي الحديث عن "الصواريخ والنووي" ليُعيد رص الصفوف قسرًا. إنها عملية "هروب إلى الأمام"؛ فمواجهة الذات أصعب بكثير من مواجهة العدو، وتغيير وجهة النظر من "أزمة الحكم" إلى "أزمة الوجود" هو الخديعة الكبرى التي تُمارس لإسكات صوت المعارضة.
وعلى الضفة الأخرى، في الولايات المتحدة، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا. فالانقسام السياسي الحاد والانتفاضات الطلابية في كبرى الجامعات تعكس خللًا بنيويًا في العقد الاجتماعي. وبدلًا من الانكفاء على مُعالجة هذه الجروح، يتم تضخيم "الدور الإيراني" وتصويره كمحرك للاضطرابات، في محاولة بائسة لتعليب الاحتجاجات العفوية ووسمها بالتبعية للخارج. إنها محاولة لغسل يد الإدارة من مسؤوليتها عن الأزمات الداخلية عبر إلقاء اللوم على "أشباح" وراء الحدود.
المسألة في جوهرها هي "صناعة الوعي الموجه". الآلة الإعلامية الضخمة تعمل على صياغة سردية تضع المواطن أمام خيارين: إما القبول بالوضع الراهن بفشله، أو الاستسلام لخطر خارجي داهم. وفي غمرة هذا الضجيج، تُدفن أخبار القمع، والاعتقالات، والانهيار الاقتصادي، وتغيب قضايا المواطن الأساسية لصالح عناوين براقة ومخيفة عن صراعات إقليمية لا تنتهي.
إنَّ سياسة "الشماعات" قد تشتري الوقت، لكنها لا تشتري الاستقرار. فالتاريخ يُخبرنا أنَّ الشعوب قد تنخدع بالخوف لبعض الوقت، لكنها لا تصمت عن الجوع والظلم إلى الأبد. ما يجري في ميادين واشنطن وتل أبيب هو الحقيقة العارية التي تحاول العناوين الصاخبة مواراتها.
إنَّ العجز عن مواجهة الداخل هو الفشل الحقيقي، وتغطية هذا الفشل بعباءة "الخطر الخارجي" هو اعتراف صريح بأنَّ اللعبة السياسية وصلت إلى طريق مسدود.
