د. بدر المسكري
تُشكّل استقلالية مجالس إدارة الشركات المساهمة أحد الأعمدة الجوهرية التي يقوم عليها البناء المؤسسي للحوكمة الرشيدة، باعتبارها الضمانة الأساسية لتحرير القرار الإداري من مؤثرات النفوذ المالي أو السلطوي، وصون المصلحة الاجتماعية للشركة بوصفها كيانًا قانونيًا مستقلًا عن مصالح الأفراد المهيمنين عليها.
وغياب الاستقلال الحقيقي لمجلس الإدارة يُفضي، في الغالب، إلى اختلال التوازن بين السلطة والمسؤولية، ويحوّل المجلس من أداة رقابة وتوجيه إلى مجرد واجهة شكلية تُمرَّر من خلالها إرادات المسيطرين، على حساب المساهمين الآخرين، ولا سيما صغارهم.
وانطلاقًا من هذا الإدراك، اتجهت التشريعات الحديثة إلى استحداث آليات قانونية تهدف إلى تحصين مجالس الإدارة من تضارب المصالح، وفي مقدمتها إقرار نظام العضو المستقل، باعتباره أحد أهم تجليات الحوكمة المعاصرة. فالعضو المستقل لا يُنظر إليه بوصفه مجرد عنصر عددي داخل المجلس، وإنما كصوت مهني محايد، يُراد له أن يضطلع بدور تصحيحي ورقابي، يوازن بين المصالح المتعارضة، ويُعيد توجيه القرار الإداري نحو غايته الأصلية المتمثلة في خدمة مصلحة الشركة واستدامتها.
ويُقصد بالعضو المستقل ذلك العضو الذي تتجرد علاقته بالشركة من كل ما من شأنه التأثير في إرادته أو النيل من حياده، سواء تعلّق الأمر بروابط مالية، أو مصالح تعاقدية، أو علاقات شخصية مباشرة أو غير مباشرة مع كبار المساهمين أو الإدارة التنفيذية. ويُفترض في هذا العضو أن يتمتع باستقلال فكري ومهني فعلي، يتيح له ممارسة دوره دون مواربة أو تردد، وأن يتعامل مع شؤون الشركة من منظور قانوني وموضوعي صرف، بعيدًا عن أي حسابات ذاتية أو اعتبارات فئوية.
وقد أدرك المُشرِّع العُماني مبكرًا خطورة غياب الاستقلال الحقيقي لمجالس الإدارة، وما يترتب عليه من آثار سلبية تمس شفافية السوق وسلامة البيئة الاستثمارية؛ إذ خصّ نظام العضو المستقل بتنظيم تشريعي متدرج ومتعدد المصادر. ويتجلى ذلك في لائحة الشركات المساهمة العامة الصادرة بالقرار رقم (27/2021)، والقرار رقم (132/2021) بشأن مبادئ حوكمة الشركات التي تمتلك الحكومة فيها حصصًا، فضلًا عن مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة الصادرة بالقرار الوزاري رقم (5/2025). ويعكس هذا التعدد في مصادر التنظيم توجّهًا تشريعيًا واضحًا نحو ترسيخ مفهوم الاستقلال المؤسسي بوصفه شرطًا لازمًا لحسن إدارة الشركات.
وتبرز أهمية العضو المستقل، في هذا السياق، من خلال إسهامه المباشر في تجسيد مبادئ الحوكمة، وعلى رأسها مبدأي العدالة والمساءلة. فوجود عضو مستقل داخل المجلس يُعيد رسم موازين القوة داخله، ويحدّ من تغوّل المساهمين المسيطرين على مسار القرار، لاسيما في المسائل المصيرية التي تتقاطع فيها المصالح، كإبرام الصفقات الجوهرية، أو اعتماد سياسات المكافآت والحوافز، أو اختيار القيادات التنفيذية العليا. وفي مثل هذه الحالات، يغدو العضو المستقل بمثابة صمام أمان قانوني، يحول دون اختزال مصلحة الشركة في مصلحة فئة بعينها.
ولا يقتصر دور العضو المستقل على البعد الرقابي فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين جودة القرار الاستراتيجي ذاته، لما يمتلكه عادة من خبرة تراكمية ومعرفة متخصصة بطبيعة النشاط الذي تمارسه الشركة. وتكمن القيمة المضافة لهذا العضو في قدرته على إبداء الرأي المخالف، وتقديم النقد البنّاء، دون خشية من فقدان موقع أو امتياز، وهو ما يعزز النقاش داخل المجلس، ويرفع من مستوى الرشد في اتخاذ القرار. ويتعاظم هذا الدور بصورة خاصة عند مشاركة الأعضاء المستقلين في اللجان المنبثقة عن مجلس الإدارة، وعلى الأخص لجنتي التدقيق والمراجعة، والترشيحات والمكافآت؛ حيث تُناط بهم مسؤولية ضمان النزاهة، ومنع تضارب المصالح، وتعزيز الشفافية في أكثر الملفات حساسية.
وعلى الصعيد التشريعي، كرَّست لائحة الشركات المساهمة العامة الصادرة بالقرار رقم (27/2021) هذا التوجه، حين اشترطت في المادة (114) أن يكون جميع أعضاء مجلس الإدارة غير تنفيذيين، وحددت حدًا أدنى لعدد الأعضاء المستقلين يتناسب مع حجم المجلس، بما يضمن حضورًا فعليًا للاستقلال داخل بنيته. كما أكدت مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة، في مادتها السادسة، على ذات الالتزام، بما يعكس توحيدًا للفلسفة التشريعية تجاه مفهوم الاستقلال، بصرف النظر عن طبيعة الشركة. وأضاف القرار رقم (132/2021) بُعدًا أكثر صرامة في الشركات التي تمتلك الحكومة فيها حصصًا، حين أوجب ألا تقل نسبة الأعضاء المستقلين عن ثلث أعضاء المجلس، مع بيان دقيق للحالات التي تنتفي فيها صفة الاستقلالية، وفقًا لما ورد في المادة (31) منه.
غير أن هذا البناء التشريعي، على أهميته، لا يحجب ما يكشف عنه الواقع العملي من تحديات بنيوية تعوق فاعلية العضو المستقل. فمن جهة، كثيرًا ما يتم اختيار الأعضاء المستقلين من قبل المساهمين المسيطرين أو الأعضاء النافذين، بما يُفرغ الاستقلال من مضمونه، ويُحوِّله إلى توصيف شكلي لا يُنتج أثره المقصود. ومن جهة أخرى، لا تزال معايير الاختيار تعاني من قدر من العمومية والمرونة المفرطة، في ظل غياب ضوابط دقيقة تحدد المؤهلات العلمية المطلوبة، أو طبيعة الخبرة اللازمة، أو التخصص الأنسب لطبيعة نشاط الشركة.
ويُضاف إلى ذلك أن بعض الشروط القانونية، كاشتراط “حسن السمعة” أو “النزاهة”، تظل مفاهيم معيارية فضفاضة، غالبًا ما يُكتفى في تطبيقها بالتحقق من الخلو من السوابق الجنائية، دون فحص حقيقي للسلوك المهني أو التاريخ الوظيفي للمرشح. كما أن تحميل العضو المستقل ذات المسؤولية القانونية التي يتحملها باقي أعضاء المجلس، رغم محدودية تأثيره الفعلي في بعض الحالات، يثير تساؤلات مشروعة حول عدالة هذا التوازن بين المسؤولية والتمكين.
وخلاصة القول.. إنَّ العضو المستقل لا يُراد له أن يكون عنصرًا تجميليًا في هيكل مجلس الإدارة؛ بل فاعل حقيقي في صناعة القرار وضبط مساره. غير أن بلوغ هذه الغاية يظل مرهونًا بتجاوز الفهم الشكلي للاستقلال، واعتماد معايير دقيقة وشفافة في الاختيار، وتوفير تمكين فعلي داخل المجلس، مقرونًا بآليات موضوعية لتقييم الأداء. فبدون ذلك، ستظل الاستقلالية حبيسة النصوص، عاجزة عن ترجمة مقاصد المشرّع إلى واقع مؤسسي فعّال.
** كلية الحقوق- جامعة السلطان قابوس
