الصين وكندا.. شراكة عقلانية في زمن الاضطراب

 

 

تشو شيوان **

 

تأتي زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين في توقيت مهم، ليس فقط للعلاقات الثنائية بين بكين وأوتاوا؛ بل للنظام الدولي ككل الذي يمر بحالة من الاضطراب وعدم اليقين. فأن تكون هذه الزيارة هي الأولى لرئيس وزراء كندي إلى الصين منذ ثماني سنوات، فهذا بحد ذاته مؤشر على إدراك متبادل بأن مرحلة جديدة يجب أن تبدأ، وأن القطيعة أو الجمود لم يعودا خيارين واقعيين في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والسياسية على نحو غير مسبوق.

من منظور صيني، تحمل هذه الزيارة دلالة سياسية واضحة مفادها أن كندا بدأت تُعيد تقييم سياستها الخارجية تجاه الصين بقدر أكبر من الاستقلالية والعقلانية؛ ففي السنوات الماضية، تأثرت العلاقات الصينية الكندية بعوامل خارجية وبمناخ دولي اتسم بالاستقطاب والضغط على الدول لاتخاذ مواقف حادة. إلّا أن التطورات الأخيرة تظهر أن أوتاوا باتت تدرك أن مصالحها الوطنية لا يمكن اختزالها في منطق الاصطفاف، وأن التعامل الواقعي مع الصين بوصفها قوة اقتصادية كبرى وشريكًا دوليًا لا غنى عنه هو خيار يخدم الشعب الكندي قبل أي طرف آخر.

اللقاء بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء كارني شكّل محطة مفصلية في هذا السياق؛ إذ إنَّ طرح الرئيس شي لمفهوم "الشراكة الرباعية" لا يعكس مجرد صياغة دبلوماسية؛ بل يقدّم إطارًا استراتيجيًا متكاملًا لبناء علاقة مستقرة وطويلة الأمد، وهي شراكة قائمة على أولًا: الاحترام المتبادل، وثانيًا: التنمية المشتركة، وثالثًا: الثقة السياسية، ورابعًا: التعاون العملي، تمثل من وجهة النظر الصينية خلاصة التجربة مع العلاقات الدولية في العصر الحديث؛ حيث أثبتت المواجهة والصراع أنهما طريق مسدود، بينما أثبت الحوار والتعاون أنهما السبيل الوحيد لتحقيق المنفعة المتبادلة.

البيان المشترك لاجتماع قادة الصين وكندا، إلى جانب التوقيع على 8 مذكرات تعاون، يعكس إرادة سياسية حقيقية للانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة تعظيم المصالح المشتركة؛ فالتعاون في مجالات الاقتصاد الكلي، والتجارة، والطاقة، والمال، والتبادل الثقافي، لا يخدم فقط النمو الاقتصادي في البلدين؛ بل يبعث برسالة إيجابية إلى العالم مفادها أن التعاون بين دول ذات نظم مختلفة ليس ممكنًا فحسب؛ بل ضروريًا أيضًا في ظل التحديات العالمية المتفاقِمة.

الثقة السياسية تظل، من منظور بكين، حجر الأساس لأي علاقة ثنائية ناجحة؛ فالتاريخ يُثبت أن العلاقات الصينية الكندية حققت أفضل مراحلها عندما التزم الطرفان بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام الخيارات السيادية لكل دولة. الصين لا تسعى إلى تصدير نموذجها، ولا تطلب من شركائها سوى المعاملة بالمثل والاعتراف بحق كل دولة في اختيار نظامها السياسي ومسارها التنموي. وإذا ما ترسَّخت هذه القناعة في العلاقات الثنائية، فإن الكثير من العوائق التي أعاقت التعاون في السابق ستفقد مبرراتها.

على الصعيد الاقتصادي، تمتلك الصين وكندا مقومات تكامل واضحة. الصين اليوم هي ثاني أكبر شريك تجاري لكندا، بينما تشكل كندا موردًا مهمًا للطاقة والموارد الطبيعية وشريكًا ذا إمكانات كبيرة في مجالات التكنولوجيا النظيفة والزراعة المتقدمة. توقيع "خارطة طريق التعاون الاقتصادي والتجاري" يُمثِّل خطوةً عمليةً نحو إدارة الخلافات التجارية بطريقة مؤسسية وبراغماتية، بعيدًا عن منطق التصعيد أو التسييس، وهو ما يتماشى مع مصالح مجتمع الأعمال في البلدين.

كما إن التقاء مواقف الصين وكندا في دعم التعددية والتجارة الحرة يمنح هذه العلاقة بعدًا يتجاوز الإطار الثنائي؛ ففي عالم يشهد تصاعد النزعات الحمائية وتراجع الثقة في النظام التجاري الدولي، يصبح تعاون بكين وأوتاوا نموذجًا يمكن أن يسهم في حماية قواعد التجارة العالمية ودعم دور المؤسسات متعددة الأطراف، وهو أمر يخدم الاستقرار الاقتصادي العالمي.

النظر إلى عام 2026 يكشف عن فرصة إضافية لتعميق هذا التعاون؛ إذ إنَّ فالصين تستعد لإطلاق خطتها الخمسية الخامسة عشرة، التي تركز على التنمية عالية الجودة والانفتاح المنظم، بينما تستعد كندا لتنفيذ ميزانية جديدة في ظل تحديات اقتصادية داخلية وخارجية. وهذا التزامن يخلق أرضية مشتركة للتخطيط طويل الأمد، وربط الأولويات التنموية للطرفين بمشروعات تعاون ملموسة تعود بالنفع المباشر على المواطنين.

في المحصلة، ترى الصين أن تطوير العلاقات مع كندا على أساس "الشراكة الرباعية" ليس خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا؛ بل مسارًا استراتيجيًا يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار الدولي. وفي عالم يبدو وكأنه يغرق في الفوضى والاستقطاب، فإن كل خطوة نحو الحوار والثقة والتعاون تمثل إضافة ثمينة للسلام والتنمية والازدهار العالمي. إن العلاقات الصينية الكندية، إذا ما أُحسن إدارتها، قادرة على أن تكون نموذجًا لعلاقات دولية صحية ومستدامة فيرن الحادي والعشرين.

وانطلاقًا من هذا الفهم، فإنَّ المرحلة المقبلة تتطلب من الجانبين ترجمة التوافق السياسي إلى خطوات عملية ومستدامة، تتجاوز الطابع الرمزي للزيارات والبيانات المشتركة. وتعميق الحوار المؤسسي، وتوسيع آليات التشاور المنتظم، وبناء قنوات تواصل مباشرة بين مجتمعات الأعمال والأوساط الأكاديمية والثقافية، كُلُها عناصر أساسية لضمان ألّا تعود العلاقات الصينية الكندية إلى دوامة الشكوك وسوء الفهم التي شهدتها في الماضي. ومن وجهة نظر صينية، الاستقرار في العلاقات لا يتحقق بالشعارات؛ بل بتراكم الثقة عبر التعاون المستمر والنتائج الملموسة.

كما إن تعزيز التبادل الشعبي والثقافي ينبغي أن يشكل ركيزة موازية للتعاون الاقتصادي والسياسي. فالعلاقات بين الدول لا تقوم فقط على الحكومات؛ بل على معرفة الشعوب ببعضها البعض. الصين تنظر إلى كندا بوصفها مجتمعًا متنوعًا ومنفتحًا، وتؤمن بأن توسيع التبادل التعليمي والثقافي والسياحي سيساعد في بناء صورة أكثر توازنًا وواقعية عن الصين داخل المجتمع الكندي، ويحد من تأثير الخطابات المُؤدْلَجَة التي غذّت التوتر في السنوات الماضية.

في نهاية المطاف، تمثل زيارة رئيس الوزراء مارك كارني إلى الصين خطوة مهمة على طريق إعادة بناء الثقة وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. ومن منظور صيني، فإن نجاح هذه الخطوة لا يُقاس فقط بما تم توقيعه من اتفاقيات؛ بل بمدى قدرة الجانبين على الحفاظ على زخم الحوار والتعاون في مواجهة المتغيرات الدولية المُتسارِعة. فإذا استطاعت الصين وكندا أن تلتزما بروح الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، فإنَّ علاقتيهما لن تعود بالفائدة على شعبي البلدين فحسب؛ بل ستسهم أيضًا في إرساء قدر أكبر من التوازن والعقلانية في النظام الدولي الذي يفتقر اليوم إلى مثل هذه النماذج.

** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية

الأكثر قراءة

z