جمال الكندي
قبل الإجابة على هذا السؤال، والحديث عن شقَّيه الرئيسين: النجاح والفشل، لا بدّ لنا من ذكر أسباب الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فهذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو صراع قائم منذ سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، عقب ثورة شعبية كبيرة على الأرض، قادتها قيادات حقيقية استطاعت أن تنهي حقبة الملكية بما فيها من مفاسد كان يعلمها الإيرانيون، ولذلك نجحت ثورتهم.
من هنا بدأ العداء الأمريكي-الإسرائيلي للكيان الذي أسقط حليفهما الاستراتيجي وصديق إسرائيل في المنطقة؛ إذ كان نظام الشاه يُعد شرطيّ أمريكا في الإقليم، وكانت موارده النفطية والغازية تحت تصرّف الشركات الأمريكية. فالعامل الأول كان سياسيًا-عسكريًا، والعامل الثاني اقتصاديًا، وهذان العاملان فقدتهما الولايات المتحدة بعد سقوط نظام بهلوي.
أما إسرائيل، فلا تستطيع نسيان مشهد إنزال علمها من سفارتها في طهران بعد الثورة الإيرانية، واستبداله بعلم فلسطين، واستقبال المُناضل ياسر عرفات في سفارة فلسطين بإيران؛ إذ اختزل هذا المشهد سبب العداء الصهيوني لإيران، التي أصبحت بعد عام 1979 حليفًا وظهيرًا للقضية الفلسطينية، لا بالقول فقط، بل بالدعم المادي بمختلف أشكاله.
من خلال الإجابة على سؤال لماذا العداء الأمريكي الصهيوني للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ندرك أنَّ مشروع تغيير النظام الإيراني الحالي هو مطلب استراتيجي أمريكي، قد يتغير التكتيك عن طريق الاحتواء وعدم الصدام، خاصةً إذا أدرك من يحارب إيران قدراتها العسكرية والإقليمية في المنطقة، ومدى الفوضى التي سوف تتسبب إذا تم شيطنة مكوناتها الداخلية التي أن حصلت على نوع من الاستقلالية سوف تؤثر بدول الجوار الإيراني.
لذلك كان أجرأ قرار لرئيس أمريكي هو قرار الرئيس الأسبق باراك أوباما عندما وقع الاتفاق النووي مع إيران والمجموعة الأوروبية؛ إذ إن هذا الاتفاق يعد انتصارًا إيرانيًا جمَّد أو احتوى الصراع الأمريكي الإيراني بعد الثورة، ولكن بعد وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض تم الخروج الأحادي الأمريكي من هذا الاتفاق بإيعاز إسرائيل ورجعنا إلى نقطة تغيير النظام الإيراني كاستراتيجية أمريكية.
هذه المُعطيات تعطينا البعد التاريخي والسياسي في سبب العداء الأمريكي لإيران ما بعد الثورة، فأمريكا لا تريد أن ترى دولة إقليمية قوية فاعلة في المنطقة لها تأثير سياسي واقتصادي وعسكري خارج نطاق الهيمنة الأمريكية، ولها علاقات قوية مع أعدائها التقليديين سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا: روسيا والصين؛ فمشروع تغيير النظام ما زال قائمًا، خاصة مع وجود رئيس جمهوري مثل ترامب. وقد شكّلت حرب الاثني عشر يومًا- التي جرت بين إيران وإسرائيل، وبمشاركة أمريكية مباشرة وغير مباشرة في أيامها الأخيرة- الاختبار الفعلي لمدى قدرة إيران على إفشال نتائج تلك الحرب، وإظهار قدراتها الصاروخية. فقد شاهد الجميع الصواريخ الإيرانية تتساقط على إسرائيل، وعجز منظوماتها الدفاعية عن صدّ هذه الصواريخ.
واستطاعت إيران بذلك هدم صورة إسرائيل بوصفها قوة لا تُهزم، رغم امتلاكها منظومة القبة الصاروخية التي لم تتمكن من اعتراض الصواريخ الإيرانية، كما أظهرت إيران قدرتها على استيعاب الضربة الإسرائيلية المفاجئة التي بدأت عبر عملاء الداخل، في إطار السيناريو الصهيو-أمريكي لحرب الأيام الاثني عشرة، والذي كان يفترض سقوط النظام الإيراني خلال أيام قليلة بعد استهداف قياداته السياسية والعسكرية. إلّا أن إيران امتصّت الصدمة، وخلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة تغيّر كل شيء، وبدأنا نرى موجات الصواريخ الإيرانية تزيّن سماء تل أبيب.
ما حصل في إيران خلال الأيام القليلة الماضية هو امتداد للحلم الصهيو-أمريكي في تغيير النظام الإيراني؛ فبعد فشل حرب الاثني عشر يومًا، عادت العقلية الاستخباراتية الأمريكية-الإسرائيلية بمشروع جديد قديم، وهو مشروع «الثورات الملوّنة»، أي تغيير النظام من الداخل، عبر استغلال موجات الاحتجاجات المطلبية المحقّة، التي تُعدّ شكلًا من أشكال التعبير الديمقراطي عن رفض الأوضاع المعيشية ذات البعد الاقتصادي.
ويُمثِّل هذا الواقع أفضل ساحة لمحاولات التغيير، من خلال دسّ مُخرِّبين يحملون أجندات مُعدّة سلفًا وتمَّ تدريبهم عليها. وهو ما يشبه ما جرى في حرب الاثني عشر يومًا؛ إذ بدأ التحرك من الداخل الإيراني مباشرة، لكن ليس عبر المظاهرات الملوّنة؛ بل عبر الاستهداف العسكري، الذي جرى الاستثمار فيه لأكثر من عشر سنوات، غير أنَّه فشل في تحقيق أهدافه خلال تلك الحرب.
الرئيس الأمريكي ترامب جاء مزهوًّا بما فعله في فنزويلا، من خلال اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، غير أن تداعيات هذا الحدث لم تُفضِ إلى الثمار التي كان يتمناها ترامب، ولا إلى ما كان مرسومًا لإسقاط النظام الإيراني في هذه الجولة، بعد فشل حرب الاثني عشر يومًا؛ إذ كان المخطط أن تبدأ المرحلة التالية من الداخل، عبر ثورات ملوّنة، على غرار ما نجح في أوكرانيا وبعض الدول العربية خلال ما سُمّي بـ«الربيع العربي»؛ حيث كان الهدف الأساس هو تفتيت الدولة الوطنية المركزية، وهو ما تحقق بالفعل في سوريا وليبيا واليمن.
هذه «الإنجازات» الصهيو-أمريكية- إن صحّ التعبير بهذا المصطلح- أرادت الإدارة الأمريكية الحالية تنفيذها في إيران عبر مراحل، وهي:
مرحلة الحصار الاقتصادي: تُعدّ هذه المرحلة السلاحَ الأساسي في تغيير الأنظمة التي لا تتماشى مع الهوى الأمريكي. وقد خضعت إيران، منذ نجاح ثورتها ضد نظام الشاه، لحصار اقتصادي مستمر، يتغيّر نسبيًا تبعًا للمتغيرات دولية، كما حصل بعد توقيع الاتفاق النووي مع مجموعة خمسة زائد واحد، وقد كان هذا الحصار فاعلًا في الفترة الأخيرة، وكانت تداعياته العنوان الأبرز للاحتجاجات المطلبية للشعب الإيراني. وتعاملت القيادة الإيرانية، وعلى رأسها الإمام علي خامنئي، مع هذا الحراك السلمي في بداياته، وقامت بمعالجة مطالب التجّار والطلبة، وانحصرت الماهرات بشل واضح وهذا الأمر طبعًا لا يرضي المحرك الخارجي وهنا جاءت المرحلة التالية.
مرحلة التخريب: بعد موجة المظاهرات السلمية المطلبية، والتي عالجتها الحكومة الإيرانية تبدأ المرحلة الثانية بقيادة أمريكا وإسرائيل عبر عملائها على الأرض، بان ينتقل الحراك السلمي إلى تخريب ممنهج لبنية الدولة المركزية، ومن خلال الفوضى ترفع الشعارات المعادية للدولة والمطالبة بإسقاطها وهو نفس سيناريو الربيع العربي.
هذه المرحلة- بحسب المراقبين- فشلت مع كشف إيران لهؤلاء العملاء على الأرض؛ سواء كانوا إيرانيين أو من الخارج، وما قامت به وزارة الخارجية الإيرانية من دعوة العرب والأجانب إلى مقر الوزارة وعرضها لفيديوهات موثقة من أعمال التخريب التي مارسها هؤلاء العملاء وهو دليل لهم بأن المظهرات انحرفت عن مسارها السلمي وتحولت إلى أعمال تخريب من حق الدولة الإيرانية مواجهتها، وهذا الذي حصل وتم السيطرة عليهما وخروج ماهرات مليونيه داعمة للنظام الإيراني وضد أعمال التخريب. المرحلة الأولى وهي الحصار قائمة وتتأقلم الدولة الإيرانية بمخرجتها منذ الثورة. وبتحالفها الاستراتيجي مع الصين وروسيا تقلل من عب هذا الحصار. أما المرحلة الثانية فقد فشلت باعتقال أغلب المخربين وقادتهم وهذا الأمر جعل أمريكا تفكر في المرحلة الثالثة.
مرحلة الضربة العسكرية: هنا نصل إلى سيناريو حرب الاثني عشر يومًا، لكن هذه المرة بتصريحات أمريكية مباشرة، وباحتمال تدخل عسكري أمريكي مباشر. وكانت الحجة الأمريكية جاهزة، على غرار «كذبة المخدرات» في فنزويلا، تحت ذريعة حماية المتظاهرين والتدخل الإنساني، وذلك عبر ضرب البنية الأمنية الإيرانية لإتاحة المجال للفوضى كي تسلك طريقها نحو تغيير النظام.
وقد شكّلت هذه المرحلة ضغطًا نفسيًا متبادلًا وتبادلًا للرسائل بين الطرفين عبر الوسطاء؛ إذ أعلنت إيران بوضوح أن أي ضربة أمريكية ستُواجَه بردّ أشد من ضربات حرب الاثني عشر يومًا. وفي المقابل، سمعنا تصريحات متكررة من ترامب عن ضربة وشيكة، أو «خلال أربعٍ وعشرين ساعة أو أقل»، ما دفع الأجانب في إيران إلى المغادرة، وجعل إسرائيل تستعد لكابوس جديد شبيه بحرب الاثني عشر يومًا. غير أن ما حصل لاحقًا كان تراجعًا مفاجئًا؛ إذ غيّر ترامب من لهجته، وصرّح بأن إيران لم تعدم المحتجزين لديها، ليُعلن بعدها تأجيل الضربة.
تأجيل الضربة له طبعًا أسباب أخرى معلنة وغير معلنة، والتكهنات كثيرة، ومن ضمن الأسباب المُعلنة، والتي طرحت إعلاميًا هو فشل الرهان الأمريكي على السيطرة التقنية والاتصالية، بعد أن تمكنت إيران، بدعم من حلفائها، من تعطيل فعالية الاتصالات الفضائية، وعلى رأسها منظومة «ستارلينك». هذا التعطيل أحدث حالة من العمى الراداري والمعلوماتي لدى الجانب الأمريكي، وأفقده القدرة على الرصد الدقيق والتحكم المسبق بساحة العمليات. ومع غياب الصورة الاستخبارية الموثوقة، تراجعت واشنطن عن خيار الضربة، إدراكًا لمخاطر الدخول في مواجهة بلا تفوق معلوماتي. وهكذا تحوّل العامل التقني من أداة ضغط إلى سبب مُباشر في الإرباك والتأجيل.
ختامًا.. نستطيع القول إن مشروع تغيير النظام الإيراني من الداخل قد فشل في هذه الجولة، رغم توظيف أدوات مُتعددة شملت الحصار، والتخريب، والضغط العسكري غير المباشر. فقد أظهرت الدولة الإيرانية قدرة عالية على احتواء الاحتجاجات، وإفشال الاختراقات، وإدارة المواجهة دون الانزلاق إلى الفوضى. كما أن تماسك البنية الداخلية، والدعم الإقليمي والدولي، أسقط رهانات التفكيك السريع. وعليه، يمكن القول إنَّ خيار التغيير من الداخل لم يحقق أهدافه، وأُجّل إلى أَجَلٍ غير منظور.
