مؤيد الزعبي
عندما نتمعن في شكل شوارعنا وطرقاتنا في عصر السيارات ذاتية القيادة نجد أن هناك تساؤلًا حتميًا، هل سينتهي دور شرطة المرور؟ أم أنها ستأخذ شكلًا جديدًا مختلفًا تمامًا عما نعرفه اليوم؟ تخيل معي عزيزي القارئ كيف سيتعامل رجل المرور مع عربة توصيل ذاتية القيادة تقطع شارعًا مزدحمًا فجأة، أو مع سيارة ذكية تتعرض لعطل مفاجئ في وسط الطريق؟ مع من سيتكلم الشرطي وكيف سيتحكم بها ليوقفها أو يحركها بما يلزم في مثل هذه الحالات، هذه التساؤلات باتت واقعاً يقترب منَّا بسرعة مما يتطلب إعادة التفكير جذريًا في كيفية إدارة المرور ورد فعل عناصره البشرية والتقنية.
السيارات ذاتية القيادة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والحساسات للتنقل والتفاعل مع البيئة من حولها، وهي قادرة على تحسين حركة المرور وتقليل الحوادث مقارنة بالقيادة البشرية التقليدية، وأحد أهم الأهداف الرئيسة لهذه التكنولوجيا هو الحد من أخطاء القيادة البشرية التي تسبب غالبية الحوادث المرورية وأنا أتفق مع هذا الطرح تمامًا، ولكن علينا أن نعي بأنَّ السيارات والعربات ذاتية القيادة ليست معصومة من الخطأ، وقد تحدث حوادث أثناء التشغيل الفعلي، مما يجعل وجود آليات للتدخل البشري في الطوارئ أمرًا لا غنى عنه، وهذا ما ليس واضحًا لا من قبل الشركات المصنعة للسيارات ذاتية القيادة أو حتى من الهيئات والوزارات المعنية.
لقد واجهت بعض المركبات الذاتية في الولايات المتحدة مواقف حقيقية عندما حاولت الشرطة توقيفها بسبب مخالفة ما، فكان الحل غالبًا التواصل مع فريق الدعم البعيد الذي يدير السيارة عبر أنظمة الاتصال داخلها، بدلًا من مخاطبة "السائق" الذي قد لا يكون موجودًا على الإطلاق، وأيضا انتشرت فيديوهات لمركبات ذاتية القيادة في الصين وهي تسير في طرق غير مخصصة للسيارات أو تدخل في أماكن صيانة الطرق ويقف شرطي المرور عاجزًا عن تعديل مسارها، وهذا يشير إلى أنَّ أنظمة المرور ستحتاج إلى بروتوكولات تواصل جديدة بين شرطة المرور والمركبات الذاتية، وأن القوانين الحالية يجب أن تُحدث لتحديد من يجب مخاطبته: النظام الذكي، الشركة المصنعة، أو جهة الدعم التشغيلية.
أيضًا علينا التفكير في الحالات الطارئة وقد لوحظ ارتباك في حركة السيارات ذاتية القيادة عند حدوث انقطاع للتيار الكهربائي في سان فرانسيسكو، وفي هذه الحالات يحتاج الشرطي إلى القدرة على إيقاف المركبة عن بُعد أو عبر أوامر معينة مدمجة في النظام، خاصة عند حدوث أعطال تقنية أو في حالة استخدامها في نشاطات غير قانونية أو خطيرة مثلًا، ولهذا أجد أن أجهزة الشرطة تحتاج لتطوير سياسات وإجراءات جديدة للتعامل مع أعطال القيادة الذاتية، بما في ذلك تدريب الضباط على وظائف الأنظمة الرقمية وأمانها، وإمكانية التدخل في البرمجيات عند الضرورة.
الواقع اليوم يقول لنا إن فرق المرور البشرية والأجهزة المرورية لم تُجهز بشكل كامل بعد للتعامل مع كل السيناريوهات التي قد تفرضها السيارات ذاتية القيادة، فهناك تكنولوجيا مرورية ذكية مثل إشارات المرور المتصلة وأنظمة إدارة حركة المرور المدعومة بالذكاء اصطناعي، ولكنها لا تزال في مراحل التطوير ويجب التكامل الكامل بينها وبين المركبات الذاتية بحيث يكون للشرطة القدرة على التحكم بهذه السيارات عند الحاجة منعًا لحدوث كوارث أو حوادث أو حالات تهديد للسلم المجتمعي.
المستقبل يخبرنا كذلك أن عمل الشرطي يجب أن يتحول تحولًا جذريًا، فبدلًا من الوقوف على جانب الطريق مع صافرة أو كتيب مخالفات، سيكون الشرطي مزودًا بأجهزة رقمية، وقدرات تواصل مع أنظمة المركبات الذاتية، وأدوات للتحكم في حركة المرور عند وقوع الأعطال أو الحالات الطارئة عليه أن يتعامل الشرطي مع شاشات تحليل البيانات في الميدان، يرسل أوامر لإيقاف المركبات عبر الأنظمة الرقمية، أو حتى يدير استجابة الطوارئ خلال الأعطال الجماعية لأنظمة المركبات الذاتية.
في الخلاصة.. شرطي المرور في المستقبل لن يكون فقط رجلًا يتعامل مباشرة مع السائقين، بل سيكون وسيطًا بين العالم البشري والعالم الذكي للسيارات، يجمع بين معرفته القانونية وقدراته التقنية، ويعمل ضمن منظومة متكاملة، وسيكون دوره محوريًا في ضمان السلامة والتفاعل السريع مع أي طارئ، وفي الحفاظ على انسجام المرور بين المركبات التقليدية والذاتية، وهو ما يجعل التحضير القانوني والتدريبي لهذه المرحلة المقبلة ضرورة مُلحَّة، لا رفاهية مستقبلية في هذا الطرح؛ بل هناك ضرورة باتت تبرز أهميتها يومًا بعد يوم.
