د. هبة محمد العطار
تتشوه المعاملات الإنسانية حين تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول من مساحات للتبادل الإنساني إلى ساحة حسابات دقيقة للمكسب والخسارة، وفي هذا التشوه يظهر نمط من السلوك يصدر عن شخص اعتاد الأخذ دون أن يتقن العطاء، شخص يرى العلاقة من زاوية واحدة، ويقيسها بما يحصل عليه لا بما يقدمه، فتتشكل لديه أنانية فجة لا ترى في الآخر إلّا موردًا مؤقتًا لا قيمة إنسانية مستقلة. وحين ينضج الإنسان وعيًا وأخلاقًا، يتجاوز منطق الأخذ، ولا يعود أسيرًا له، فيغلب العطاء على سلوكه، ويصبح مانحًا مفيدًا، يدرك أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بما جمعه لنفسه؛ بل بما أضافه إلى حياة الآخرين، وبقدر ما تركه من أثر إنساني باقٍ لا يزول.
في هذا المناخ المُشَوَّش، تتغير لغة العلاقات دون أن ننتبه، يصبح العطاء خطوة مؤقتة، لا التزامًا إنسانيًا، ويُعاد تعريف الوفاء باعتباره عبئًا غير ضروري بعد تحقق الغاية، فتبدأ بعض السلوكيات في الظهور باعتبارها ممارسات طبيعية، بينما هي في حقيقتها أعراض خلل أعمق في ميزان القيم، وفي فهم العلاقة بين الإنسان والآخر.
ومن بين أكثر هذه السلوكيات وضوحًا، وأكثرها كشفًا لتشوه المعاملات، يبرُز نُكران الجميل، لا كتصرف عابر؛ بل كنتيجة مباشرة لمنطق يرى في الإنسان وسيلة، وفي العلاقة مرحلة تنتهي بانتهاء الحاجة.
ناكر الجميل لا يولد جاحدًا؛ بل يتشكل مع الوقت، حين تتحول المصلحة من حاجة إلى اعتياد، ومن الامتنان إلى حق مكتسب، في البداية يكون القرب ضرورة، والعلاقة احتياجًا، والدعم طوق نجاة، ثم ما إن تُقضى الحاجات وتُشبَع المصالح، حتى يتغير موضع الوقوف، ويُعاد تعريف المشهد من جديد.
في دوائر العمل، يظهر هذا السلوك في أكثر صوره برودة، حين يُبنى الصعود على أكتاف غير مرئية، وتُنسى الأيادي التي فتحت الأبواب، وقدمت الفرص، وتحملت الأخطاء، يصبح النجاح معزولًا عن تاريخه، ولا يُنكر الجاحد ما قُدم له صراحة؛ بل يعيد صياغته في وعيه كأنه كان استحقاقًا طبيعيًا، أو ثمرة كفاءة خالصة، وكأن الطريق لم يكن مزدحمًا بوجوه ساندت وصبرت وآمنت قبل أن يؤمن هو بنفسه.
ومن منظور علم النفس، يُفسَّر هذا السلوك بآليات دفاعية تلجأ إليها النفس لحماية صورتها عن ذاتها، فالاعتراف بفضل الآخرين يضع الفرد في موضع الدين المعنوي، وهو موضع يهدد الأنا الهشة أو المتضخمة معًا، فيُستبدل الامتنان بالإنكار، لا عن وعي أخلاقي؛ بل كاستجابة نفسية لتجنب الشعور بالنقص أو التبعية.
كما تشير التحليلات النفسية إلى ارتباط هذا النمط بما يُعرف بالتعلق غير الآمن، خاصة "التعلق التجنبي"؛ حيث يشعر الفرد بالارتياح طالما العلاقة تلبي احتياجه، لكنه ينزعج من أي رابط يَفرض عليه التزامًا وجدانيًا أو أخلاقيًا طويل الأمد، وما إن يتحقق له الاكتفاء، حتى يبدأ في الانسحاب، لا قسوة؛ بل عجز عن تحمّل فكرة الاعتماد المتبادل.
وفي العلاقات الإنسانية، يكون نكران الجميل أشد قسوة، لأنه لا يطال الجهد فقط؛ بل يمتد إلى المشاعر، حين يمنحك إنسان من وقته واهتمامه وأمانه، ثم ما إن يستقر بك الحال حتى تبدأ المسافة، لا لأن العطاء كان مشروطًا؛ بل لأن الامتلاء ألغى الحاجة، فيتحول الامتنان إلى عبء، ويصبح القرب السابق مرآة محرجة تفضح هشاشة الأخلاق عند أول اختبار شبع.
اجتماعيًا، يسهم المناخ الثقافي القائم على تمجيد الفردية المفرطة في تغذية هذا السلوك، حيث يُعاد تعريف النجاح باعتباره إنجازًا شخصيًا منفصلًا عن سياقه الإنساني، وفي بيئات العمل التنافسية يُكافأ أحيانًا من يتنكر لدعم الآخرين بوصفه قويًا أو مستقلًا، بينما يُنظر للاعتراف بالفضل كعلامة ضعف، فيتحول الجحود من خلل أخلاقي إلى سلوك مقبول اجتماعيًا.
وتلعب التنشئة الاجتماعية دورًا محوريًا؛ فالأفراد الذين لم يتعلموا الامتنان كقيمة إنسانية راسخة، لا كمجاملة اجتماعية عابرة، غالبًا ما يختزلون العلاقات في تبادل منافع، وعندما تنتهي المنفعة ينتهي الرابط، دون شعور حقيقي بالذنب، لأن العلاقة لم تُبنَ في وعيهم على أساس إنساني مستدام.
ورغم هذا المشهد، تظل هناك فئة أخرى تمنح الحياة ملمسًا مختلفًا، فئة تحفظ الجميل، وترد الفضل إلى أصحابه، لا بدافع المجاملة؛ بل انطلاقًا من وعي أخلاقي عميق، هؤلاء يدركون أن الاعتراف بالفضل لا ينتقص من قيمتهم؛ بل يرسخها، وأن الوفاء ليس عبئًا؛ بل علامة نضج إنساني، وأن الشبع الحقيقي لا يقود إلى الجحود؛ بل إلى مزيد من التواضع والامتنان.
هذه الفئة تحمل صفات تجعل الوجود أكثر اتزانًا، فهم أوفياء حتى بعد الاكتفاء، ثابتون حين تتغير المصالح، ويحتفظون بالعرفان كجزء من تكوينهم لا كتصرف موسمي، في العمل يصعدون دون أن ينسوا من مهد لهم الطريق، وفي العلاقات الإنسانية يظلون أوفياء للقلوب التي ساندت دون حساب، لأنهم يرون العلاقة قيمة في ذاتها لا وسيلة تنتهي بانتهاء الحاجة.
وجود هؤلاء هو ما يمنع تشوه المعاملات من أن يصبح قاعدة عامة، وهم الدليل الحي على أن الأخلاق لا تموت تحت ضغط المصلحة؛ بل تختبر فقط، ومعهم تستعيد العلاقات معناها، ويعود للإنسان مكانه كغاية لا كأداة، ويصبح رد الجميل فعل قوة داخلية، لا ضعفًا؛ بل اختيارًا واعيًا يحفظ توازن الحياة ومعناها.
