خالد بن حمد الرواحي
في الأوقات الهادئة، تبدو الحوكمة فكرة جميلة: أطر واضحة، سياسات مكتوبة، لجان، صلاحيات، ومسميات مطمئنة. كل ذلك يمنح انطباعًا بأن كل شيء في مكانه الصحيح، بل وقد تُنتج هذه الأطر- في الظروف الطبيعية- مستويات جيدة من الانضباط والشفافية والثقة. لكن المفارقة تبدأ حين تهتز الأرض تحت المؤسسة قليلًا: أزمة مفاجئة، قرار حساس، ضغط إعلامي، أو خطأ مكلف. عندها فقط نكتشف ما إذا كانت الحوكمة حقيقية… أم مجرد ديكور إداري مُتقن؟!
في الأزمات، لا تَختبِر المؤسسات لوائحها بقدر ما تختبر ثقافتها. لا نكتشف قوة النماذج التنظيمية في التقارير، بل في اللحظة التي يتردد فيها القرار، أو يتأخر الاعتراف، أو يضيع السؤال بين مستويات المسؤولية. وعندها يتبيّن أن الحوكمة التي لم تُمارَس في التفاصيل اليومية لا تستطيع أن تحمينا في اللحظات الحرجة، حتى لو بدت مكتملة على الورق.
الحوكمة ليست وثيقة تُعتمد مرة واحدة، ولا لجنة تُشكَّل، ولا مصفوفة صلاحيات تُوزَّع، بل هي سلوك متراكم: كيف يُتخذ القرار؟ من يُستشار؟ من يتحمّل المسؤولية؟ كيف يُدار الخطأ؟ وهل الحقيقة مسموحة حين تكون مزعجة؟ هذه الأسئلة الصغيرة- التي تبدو هامشية في الأيام العادية- هي وحدها التي تُحدِّد إن كانت الحوكمة حاضرة فعليًا، أم غائبة خلف اللغة الرسمية.
ولذلك، لا تفشل الحوكمة غالبًا بسبب نقص القوانين، بل بسبب غياب الشجاعة المؤسسية لتطبيقها حين تكون مكلفة. حين يصبح الامتثال شكليًا، والمساءلة انتقائية، والشفافية مرتبطة بدرجة الأمان لا بدرجة الصواب، تتحول الحوكمة من إطار حماية إلى واجهة تجميل، تُجيد الظهور… وتغيب عند الحاجة، وتفقد قدرتها على الوقاية قبل أن تفقد قدرتها على المعالجة.
الأخطر من ذلك أن غياب الحوكمة لا يظهر فجأة، بل يتسلل بهدوء: في اجتماع يُؤجَّل فيه السؤال الصعب، في تقرير يُخفَّف فيه التعبير، في قرار يُمرَّر لأن «الوقت لا يسمح»، أو لأن «الظرف لا يحتمل». ومع التكرار، تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويُعاد تعريف الصواب وفق ما هو أسهل، لا ما هو أدق، وتبدأ الثقة- داخليًا وخارجيًا- في التآكل، قبل أن ينهار البناء.
وحين تقع الأزمة أخيرًا، لا تكون المشكلة في القرار وحده، بل في سلسلة طويلة من التسويات الصغيرة التي سبقته. عندها نُسارع إلى استدعاء الحوكمة بوصفها حلًا طارئًا، بينما كان ينبغي أن تكون هي المنهج الذي منع الوصول إلى هذه النقطة أصلًا.
الحوكمة الحقيقية لا تُقاس بعدد السياسات، بل بمدى استعداد المؤسسة لأن تُطبّقها حين لا يكون ذلك مريحًا. لا تُقاس بجودة العناوين، بل بوضوح الأسئلة، وبحماية من يطرحها، وبالقدرة على الاعتراف قبل التبرير، وعلى التصحيح قبل الدفاع، وباعتبار الثقة العامة أصلًا يجب حمايته، لا نتيجةً تُستدعى بعد الضرر.
لذلك، فالسؤال ليس: هل لدينا حوكمة؟ وإنما: هل نسمح لها أن تعمل حين تُعارض مصالحنا الآنية؟ هل نقبل بها حين تُبطئ القرار بدل أن تُسرّعه؟ وهل نحتملها حين تُزعج بعضنا بدل أن تُرضي الجميع؟
هناك فقط نعرف ما إذا كانت الحوكمة عندنا نظامًا حيًا يحمي المؤسسة ويحفظ ثقة الناس بها… أم صورة جميلة نعلّقها على الجدار، ونبحث عنها حين يسقط الإطار؟!
