د. علي بن حمدان بن محمد البلوشي **
تُعد الوظيفة في القطاعين العام والخاص حجر الأساس في مسيرة التنمية الشاملة، فهي الأداة التي تُترجم الخطط والاستراتيجيات إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الأفراد والمجتمعات. ففي القطاع العام تتجسد الوظيفة في تقديم الخدمات، وصياغة السياسات، وتنظيم شؤون الدولة بما يحقق الصالح العام ويحفظ الاستقرار.
أما في القطاع الخاص فتتمثل في تحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتعزيز الابتكار، وزيادة الإنتاجية بما يدعم الاقتصاد الوطني. ومن خلال التكامل بين هذين القطاعين تتحرك عجلة التنمية بوتيرة متوازنة ومستدامة.
غير أن نجاح المؤسسات في أداء أهدافها يتطلب وجود إطار حوكمة راسخ. وتُعرّف الحوكمة بأنها مجموعة القواعد والأنظمة والإجراءات التي تُنظّم العلاقة بين الإدارة وأصحاب المصلحة، وتضمن الشفافية، والمساءلة، والعدالة، وحسن اتخاذ القرار. وهي بذلك تمثل منظومة رقابية وإدارية تهدف إلى تعزيز النزاهة، ومنع إساءة استخدام السلطة، وضمان توجيه الموارد نحو تحقيق الأهداف المرسومة بكفاءة وفاعلية.
إن الكفاءة والفاعلية هما ركيزتان أساسيتان لتحقيق التطور المؤسسي في كلا القطاعين؛ فالكفاءة تعني حسن استغلال الموارد بأقل تكلفة وأعلى إنتاجية، بينما تعني الفاعلية تحقيق الأهداف المخططة وفق رؤية استراتيجية واضحة. ولا يمكن لأي مؤسسة أن تبلغ مراحل متقدمة من التطور دون وجود إدارة واعية تعتمد على معايير مهنية واضحة، وتبتعد عن الاعتبارات الشخصية في اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق يظهر مفهوم تضارب المصالح بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات. ويُعرّف تضارب المصالح بأنه الحالة التي تتعارض فيها المصلحة الشخصية للفرد– سواء كانت مادية أو معنوية– مع واجباته ومسؤولياته الوظيفية، بما قد يؤثر على حياده ونزاهته في اتخاذ القرار. وقد يكون هذا التضارب مباشراً، كأن يستفيد المسؤول من منصبه لإرساء عقود على شركة يملكها أو يملك أقاربه حصة فيها، أو غير مباشر، كالتأثير على قرارات التوظيف أو التعاقد لمصلحة شبكة من المعارف أو المصالح المشتركة.
وتكمن خطورة تضارب المصالح في أنه يقوّض الثقة بالمؤسسات، ويُضعف مبدأ تكافؤ الفرص، ويؤدي إلى قرارات غير رشيدة تُهدر الموارد وتعرقل التطور الإداري والقيادي. كما أنه يخلق بيئة عمل يغيب عنها العدل والشفافية، مما ينعكس سلباً على معنويات الموظفين وأدائهم.
وتتعدد أسباب تضارب المصالح، من بينها ضعف الأنظمة الرقابية، وغياب الإفصاح عن المصالح الخاصة، وعدم وضوح الأدوار والمسؤوليات، فضلاً عن الثقافة التنظيمية التي قد تتسامح مع المجاملات أو العلاقات الشخصية على حساب المصلحة العامة. كما أن الجمع بين المنصب العام والعمل الخاص يمثل خطرا بالغاب إذا لم يُنظَّم بضوابط صارمة، إذ قد يستغل المسؤول نفوذه للحصول على معلومات داخلية أو تسهيلات تمنح نشاطه الخاص ميزة غير عادلة.
وتواجه الحكومات والشركات تحديات حقيقية في الحد من استمرار هذه الظاهرة، خاصة في البيئات التي تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والسياسية. فعلى سبيل المثال، قد يتولى مسؤول حكومي الإشراف على قطاع معين بينما يمتلك أسهما في شركات تعمل في القطاع ذاته، أو قد يشارك عضو مجلس إدارة في شركة خاصة في اتخاذ قرار يمنح عقداً لشركة تربطه بها علاقة مباشرة. مثل هذه الحالات تضعف المنافسة العادلة، وتؤثر على سمعة المؤسسة، وقد تعرضها لمساءلة قانونية وخسائر مالية.
ولمواجهة هذه التحديات، لا بد من تبني حزمة من الحلول، أبرزها وضع سياسات واضحة للإفصاح عن المصالح، وتفعيل لجان مستقلة للمراجعة والتدقيق، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، إلى جانب تعزيز ثقافة النزاهة والأخلاقيات المهنية. كما يُعدّ الفصل بين المناصب العامة والأنشطة الخاصة، أو تنظيمها بضوابط دقيقة، خطوة أساسية للحد من احتمالات الاستغلال. ومن المهم كذلك توفير قنوات آمنة للإبلاغ عن المخالفات، بما يحمي المبلغين ويعزز الشفافية.
وفي الختام، فإن تضارب المصالح يظل أحد أبرز مظاهر التحدي أمام مسيرة التطور المؤسسي، لما ينطوي عليه من تهديد مباشر للنزاهة والكفاءة والعدالة. ومن هنا تبرز أهمية وجود أنظمة رقابية فعّالة، وتشريعات واضحة، وآليات مساءلة صارمة تحدّ من استغلال المنصب لتحقيق مصالح شخصية. إن ترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة ليس خياراً تنظيمياً فحسب، بل ضرورة حتمية لضمان استدامة التنمية، وبناء مؤسسات قوية تحظى بثقة المجتمع، وتسير بثبات نحو مستقبل أكثر شفافية وعدلاً.
** مستشار أكاديمي
