صالح البلوشي
ليست الاحتجاجات التي تشهدها بعض المدن الإيرانية منذ أسبوعين ظاهرة جديدة على المجتمع الإيراني؛ فهذا شعب اعتاد منذ عهد الشاه مرورًا بعهد الجمهورية الإسلامية على التظاهر والاحتجاج؛ سواء لأسباب فئوية أو اقتصادية أو سياسية.
ومن ذا الذي ينسى احتجاجات عام 2009 عقب الانتخابات الرئاسية التي انتهت بفوز محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية، أو موجة الاحتجاجات الواسعة بعد مقتل الشابة مهسا أميني عام 2022؛ فالاحتجاج- بوصفه تعبيرًا عن الغضب أو الرفض- ظل جزءًا ثابتًا من المشهد الإيراني المعاصر، غير أن الجديد في هذه الاحتجاجات لا يكمن في حدوثها؛ بل في السياق الذي جاءت فيه؛ إذ اندلعت في ظل هجمة سياسية وإعلامية وأمنية غير مسبوقة تتعرض لها إيران من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، عقب عدوان يونيو 2025 فيما عُرف بـ«حرب الاثنى عشر يومًا»، كما تزامنت مع إعلانٍ صريح من الطرفين بدعم الاحتجاجات، إلى جانب تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة إيران في حال تعرض المحتجين لإطلاق النار، وهي سابقة تعكس بوضوح حجم التداخل بين الحراك الداخلي وأجندات الضغط الخارجي.
ويلفت النظر في هذه الاحتجاجات حجم الدعم الإعلامي الواسع الذي حظيت به من وسائل الإعلام الأمريكية والغربية، من خلال منحها زخمًا مضاعفًا وحجمًا أكبر من واقعها، إلى جانب تداول مقاطع قديمة من احتجاجات سابقة وأخرى مفبركة جرى ضخّها بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ورغم أن كثيرًا من هذه المواد لا تنطلي إلّا على السُّذَّج من الناس، فإنها تسهم في صناعة انطباع مضلل عن ضخامة الاحتجاجات واتساعها.
وفي هذا السياق، دخل الملياردير الأمريكي إيلون ماسك على خط الأحداث حين جرى تغيير رمز العلم الإيراني في منصة «إكس» إلى العلم الشاهنشاهي القديم، وهي خطوة ليست رمزية فقط؛ بل تحمل رسالة سياسية تتناسق مع التهديدات الأمريكية والصهيونية الساعية إلى التأثير على الرأي العام بهدف إسقاط النظام، كما إنها بمثابة إشارة للمحتجين بأن هناك دعمًا دوليًا للتظاهر وتغيير نظام الحكم في إيران، لتدور كل هذه الممارسات الدولية في فلك واحد مركزه دعم التوتر داخل إيران.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ خرجت عناصر مندسّة ومجموعات مؤيدة للملكية هذه المرة إلى العلن، وشاركت في اقتحام بعض مراكز الشرطة ومهاجمة رجال الأمن، ما أسفر- بحسب المعلومات المعلنة- عن مقتل عشرات من عناصر الأمن أثناء قيامهم بمهامهم في حفظ النظام العام، وهو تطور ينقل الاحتجاج من دائرة التعبير المدني إلى مساحة الصدام والفوضى.
ولقد تطورت الأحداث العدائية سريعًا، بأن شهدت إيران ولأول مرة في تاريخها المعاصر استهداف بعض المساجد والمواقع الدينية، في تحدٍّ سافر لهوية المجتمع الإيراني الإسلامية ولمكانة الدين في وجدانه، وهنا يطرح سؤال نفسه: أيّ حرية هذه التي يُعبَّر عنها بحرق المساجد والاعتداء على رجال الأمن وتخريب الممتلكات العامة والخاصة وترويع المواطنين المسالمين؟
إنَّ التفريق بين الاحتجاج المشروع والفوضى المنظمة بات ضرورة أخلاقية وسياسية، فحق التعبير لا يُبرِّر الانزلاق إلى العنف المسلح، ولا يمنح أي جهة غطاءً لتصفية حسابات خارجية أو استهداف أُسس التعايش المجتمعي. وما يجري اليوم في إيران يفرض قراءة أعمق لا تكتفي برصد الشارع؛ بل تضع في الاعتبار تداخل الداخل بالخارج والاحتجاج بالمشروع التخريبي.
